أوجبور يكتب.. الرحل بين إقفال الأسواق ونفاذ الأرزاق

0

باسو أوجبور *

يعيش الكثير من الرحل الذين يقطنون بالخيم حياة مزرية في ظروف تبعث على الحزن والأسى، خاصة في الأطلس الكبير والمتوسط في ظل الحجر الصحي. حالة صعبة تلك التي تعيشها بعض الأسر من الرحل في خيم سوداء فوق جبال الأطلس الكبير والمتوسط والصحراء.

تنتشر خيماتهم في السهول والجبال والفيافي، ويعتمدون في حياتهم اليومية على قطعان ماشيتهم وما تجود به الأرض من كلاء ونبات.

تجاهلتهم الدولة منذ عقود من الزمن كأنهم ليسوا منا! هم أيضا عادة ما يتجاهلون الدولة، ونادراً ما يطلبون خدماتها أو يقصدون الإدارات والمراكز. يصفون المطر بالوزير الأول، وسرعان مايتبادلون ضحكات ساخرة عندما يغيب الغيث ويعبّرون بحسرة شديدة عن إستيائهم لغياب معالي الوزير.

تفاقمت مشاكلهم مؤخراً بفعل توالي سنوات الجفاف وغلاء الأعلاف وكذلك محاولات منعهم من الترحال بقطعانهم والرعي بأراضي المِلك العام من قِبل بعض القبائل بالجنوب. يقول أحدهم يدعى “حسي” أن حقهم في الترحال تكفله القوانين العرفية منذ غابر الأزمان.

ما زاد من سوء أحوالهم وباء كورونا الذي أقفل الأسواق مع نفاذ المؤنة وشح القوت والأرزاق. نموذج المعاناة المتكررة للرحل تلك التي تحدث فوق جبل “تاغورغيزت” الذي يفصل إقليم تينغير بالمجال الترابي لعمالة ميدلت. حوالي سبعة خيم تأوي كل واحدة بين أربعة عشر وثمانية عشر فرداً؛ ويوجد بين هؤلاء بعض الأطفال حرموا من التلقيح لمدة أربع سنوات.

كما تنتصب أكثر من خمسة وثلاثين خيمة بمنطقة ” تيزي نوانو” بين جماعة بوزمو بإملشيل وجماعة تيلمي بمنطقة أمسمرير. وما قضية هؤلاء الرحل إلا شجرة تخفي غابة من البؤس والظلم والأحزان لدى جل الرحل الذين ينتشرون بمختلف مناطق المغرب. ذنبهم الوحيد هو أنهم ورثوا من أجدادهم إمتهان الترحال بخيماتهم منذ الأزل، دون استقرار أو اتخاذ البيوت مسكناً لهم.

يعتمدون في حياتهم على أنفسهم ولا ينتظرون يد اليمن من أحد؛ وعندما يحتاجون شيئاً من المؤنة يقصدون بالخرفان أقرب سوق لهم لبيعها وشراء مواد غذائية. اليوم في ظل الحجر الصحي أغلقت الأسواق ونفذت الأرزاق فبات الرحل في أزمة تئن لها الأمهات عند مشاهدة فلذات أكبادهن يصرخن جوعاً! يفترشون الصخور ويلتحفون خياماً سوداء تعكس قتامة يومهم وليلهم مع نفاذ الدقيق والسكر والزيت.

كل ما يتمناه هؤلاء هو بيع المواشي لشراء كيس دقيق والسكر والشاي والزيت؛ فقط ما يسدون به رمق أبنائهم الذين لاتقوى بطونهم على تحمل ألم الجوع الذي يستعينون في التغلب عليه بنبتات برية تدلهم فطرتهم عليها. جمعية أخيام كعادتها تسابق الزمن في هذه الظروف العصيبة لإنقاذ هؤلاء الرحل الأبرياء الذين حكم عليهم الجفاف والوباء وكبرياء الأجداد بحكم جائر قد يؤدي الى الموت.

جمعية أخيام بعد إتصالات مع أعضائها وأصدقائها دبرت مبلغاً محموداً لشراء بعض المستلزمات الضرورية لهؤلاء واتصلت بعمالة إقليم ميدلت لعلها تستزيد الدعم خاصة وأن وضعية الرحل تبعث على يقضة الضمير، جاء رد العمالة بالقبول وإرسال مواد غذائية مع إيفاذ طقم طبي مرفوق بطبيب بيطري.

جمعية مركز درعة تافيلالت بدورها قدمت مساعدة محمودة قبل أن هرع أعضاء أخيام والطقم الطبي لنجدة الرحل. السلطات المحلية والإقليمية ساعدت الجمعية على إنجاح هذا التدخل الهام الذي وجدوا فيه عائلات تتألم تحت خيم سوداء. يصف أحد هولاء الرحل واقعه وأسرته بعبارات تدمع لها العيون حيث قال: “يقال أن الرزق قرين الأجل، ونحن نفذ رزقنا وبقي الأجل.”

* كاتب وفاعل جمعوي

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.