اجهبلي يكتب.. “الفرنسية لغة الإدارة والترقي والتسول أيضا.. !”

0

عزيز اجهبلي *

يمكن للمرء أن يجد تفسيرات منطقية لعدد من الظواهر الاجتماعية، حتى لو لم تكن لهذه التفسيرات نسبة عالية من العلمية، بحيث قد يستوعب الانسان قصد بعض المتسولين في اختيارهم أماكن محددة سلفا، كأبواب المساجد أو مداخل الوكالات البنكية، وأمام المخابز. ومن المتسولين في المغرب كما في بلدان أخرى، من له الخبرة والحنكة في وضع اليد والسيطرة على محاور أو نقط استراتيجية ، كملتقيات طرق وفضاءات عمومية وشبه عمومية في أحياء المدن الجديدة أو القديمة، وحافلات النقل العمومي لخطوط بعينها دون غيرها.
التسول مثلا في الحافلات المتجهة أو العابرة لحي كاليفورنيا بالبيضاء، أو حي الرياض بالرباط، قبل خمسة عشرة سنة، ليس هو نفس التسول في حافلات متجهة إلى أحياء يقطنها مغاربة بسطاء ومتواضعون. إذن الأماكن تختلف والأساليب أيضا، وتختلف مع ذلك لغة التسول حسب الاشخاص والفضاءات.
قبل أيام، جرني الكلام مع أحد الظرفاء إلى الحديث عن لغة التسول بعدما عرجنا على لغة التدريس ولغة الإدارة في المغرب. وقال لي، إن أحد المتسولين أكد له أن استعماله للفرنسية ضاعف من حصيصه اليومي، وكأنني بصديقي يبلغني بحقيقة أن الفرنسية ليست ذات جاذبية في التعليم وفي الإدارة فقط، بل في التسول أيضا.
بعض المغاربة المتسولين مبدعون، في طرق، وفي أساليب التسول كذلك، إلى درجة أن من بينهم من كان له وضع اعتباري ووجود ضروري بالعديد من الفضاءات العمومية بالتحديد، وبدونهم ما كان ليكون لتلك الفضاءات ذاك الزخم الاجتماعي، كالمحطات الطرقية على سبيل المثل. گراج علال ودرب عمر قبل استحداث أولاد زيان، “عصارة ليمون الرباط الضخمة” أي “القامرة”، “الهديم” قبل سيدي سعيد بمكناسة الزيتون، بوجلود بفاس، حيطان وأسوار كل هذه الأماكن مازالت تحتفظ لأولئك المتسولين برنات وأصداء أصواتهم التي بها تعرف عليهم المسافرون والمترددون على كل تلك المحطات.
كان العابرون والركاب على الخصوص يستهويهم الأداء المتقن والمحكم الذي لا يقطر ولا يمز، والاخراج المحبك للعروض التي يقدمها المتسولون داخل الحافلات، التي كانوا يصعدون إليها عادة وهي تتهيأ لمغادرة المحطة أو المدينة ككل، معلنة عن ذلك بإطلاق العنان لمنبهات الصوت. وكان المسافرون من المغاربة يحتفظون بذكريات عن هؤلاء المتسولين العتاة. فمن ضمن ما كانوا يحملونه الى أطفالهم وأسرهم وأصدقائهم وأقاربهم في البوادي والأرياف، بالإضافة إلى الهدايا وحلوى المدن الكبرى، قصصا أبطالها متسولون. يعيد المسافرون ترتيب قصص المتسولين، وتجويدها، وادخال بعض المستملحات عليها، وقد يزيدون فيها، ويتسلون بها في مجامعهم وتجمعاتهم، إلى درجة أن قصص التسول هذه شكلت صرحا كبيرا وجانبا هاما من تراثنا الثقافي والاجتماعي في المغرب بالرغم من أن جهات معلومة حاولت القضاء على ذلك، لكنها لم تستطع لذلك سبيلا.
فإن كان المتسولون مبدعين في الطرق وفي الآليات، فإنهم لا يتوفقون دائما، رغم أنهم استطاعوا بجدارة واستحقاق نقل التسول من الشفهي الى المكتوب، ولاحظنا أخيرا كيف طوروا ممارستهم، وبدأوا يوزعون على ركاب الحافلات نسخا من وريقات يكتبون عليها بلغة وسطى ما بين الدارجة والفصحى نصا مختزلا، لا تتطلب قراءته أكثر من ثلاثين ثانية. ومن الأخطاء المحمودة لهؤلاء، أن أحد المتسولين وزع على الركاب نسخا من تلك الوريقات، ابتدأ الطلب المكتوب عليها بصيغة: ” أنا امرأة توفي زوجي…” أحد الركاب النبهاء همس في أذن المتسول، وأخبره أن الطلب موقع باسم امرأة. وبمرح، جاءت الإجابة سريعة من المتسول وقال: “الديفو ف المعلمة” وكان يعني أن معلمته هي من ارتكب الخطأ، فبدلا من تسليمه الأوراق الخاصة بالرجال مكنته أوراق النساء. فضحك الركاب لذلك.
ما يميزنا عن بلجيكا في مجال التسول هو الإبداع، وما يميز بلجيكا عنا هو القانون، فحظر التسول أمر غير ممكن في هذه الدولة الأوروبية، خاصة بعد إلغاء قانون “تجريم التسول” سنة 1993، وكان إلغاء هذا القانون بمثابة إعطاء الحق لكل فرد في التسول، الأمر الذي يجعل السلطات البلجيكية تقر بوجود فجوة قانونية تجعلها غير قادرة على التعامل مع الظاهرة، أما عندنا فالكلمة الأولى والأخيرة لمجموعة القانون الجنائي الخاص بالتسول والتشرد.

(*) صحافي بجريدة العلم

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.