التواصل الاجتماعي.. فيروس جائح

0

عادل الزبيري *
في زمن المحن الكبرى، تمكن ممارسة رياضة التأمل من تدبر تفاصيل في حياتنا، ومحاولة تتبع خيوط ممارسات باتت روتينا، ولكنها مصدر سلبي لشيء لا ينفع، والحالة هنا ارتباطنا الميكانيكي واليومي، بما تسمى بمواقع التواصل الاجتماعي.

ففي قاعة في المعهد العالي للإعلام والاتصال، في مدينة العرفان في الرباط، بدأت قصتي مع الإنترنت، عبر حواسيب شركتي مايكروسوفت وأبل، وتعرفت لأول مرة على التواصل مع الآخر، عبر النت، عبر اختراعين اثنين، البريد الإلكتروني والمرسال أي الماسنجر، لمن يتذكرون هذه النافذة التواصلية الآنية، والأولى من نوعها.

مرت سنوات تقارب العقدين سريعا، وتطورت الأجهزة، وسرعت البشرية من اختراعات التواصل، إلى أن باتت ما تسمى بمواقع التواصل الاجتماعي، واقعا معيشيا يوميا، يوازي الحياة المادية الحقيقية والواقعية.

وللأسف الشديد، تنتشر الطاقة السلبية بشكل مهول، عبر منصات التواصل الاجتماعي، فتدفع دائما إلى الكتابة باعتبارها مقاومة بالفكرة الإيجابية، ومع الشهر الثاني من الحجر الصحي الجماعي، تحت جائحة فيروس كورونا، تجمع الناس أكثر في المغرب، حول شاشات كل جهاز ملقب بالذكي، سواء كان هاتفا أو لوحا، والغلبة للتفاهة، بدون حاجة لأي منافسة.

وأعادت مواقع التواصل الاجتماعي، من جديد، رفع استهلاك الأخبار الكاذبة، بطريقة لا تبدو عادية ولا بريئة، بل وراءها قصة ما لم تنكشف بعد، وهي أشبه بالبحث الجاري عالميا، عن تفاصيل جائحة فيروس كورونا، التي انطلقت أولا من ووهان في الصين؛ فهل الفيروس جاء من الحيوان أم هو فيروس صنع في مختبر أمريكي، وأطلقه جنود أمريكيون، في ووهان الصينية، في أكتوبر 2020، أم أن الفيروس غرد بالخطأ، خارج مختبر في ووهان في الصين.

فعندما بدأ العالم يتحدث عن شاب أمريكي، اسمه مارك زوكربورك، أطلق شيئا جديدا اسمه فيسبوك، بلونه الأزرق، وبحرف F اللاتيني، استبشر الناس بشيء جديد، طفرة تاريخية أخرى في التواصل بين الناس، خطوة أخرى للتقريب بين البشرية عبر العالم، وحمل اسم الاجتماعي، فتحول الشاب إلى مليونير بسرعة، وبسمعة عالمية، وتوالى توالد المنصات.

تبدو قصة الطالب الأمريكي مارك زوكربورك، أشبه بقصة اختراع الهاتف الثابت، كل شيء جاء بالصدفة، أو من بوابة الخطأ غير المقصود، الذي يؤدي لشيء جديد؛ فمبتكر الفيسبوك كان يرغب في منصة تواصلية بين طلبة المركب الجامعي، ولكن الفكرة تلقفها العالم، أسرع بكثير، من حلم المؤسس زوكربورك، ولو أن الطالب لديه منافسين اتهماه قضائيا بسرقة فكرته، قبل حصول تسوية مالية قانونية.

قلبت مواقع التواصل الاجتماعي، عبر العالم، أشياء كثيرة كانت جميلة، للأسف الشديد، رأسا على عقب، وظهر من يسمون بالمؤثرين اجتماعيا، وهم في الحقيقة من أتفه الناس في مجتمعهم، فكل فكرة وجدت متابعين لها، ونسي الناس قادة المجتمع الحقيقيين؛ من علماء ومثقفين وفنانين مبدعين.

ففي رمضان زمن فيروس كورونا في المغرب، تتفجر قنابل صوتية يومية، على موقع فيسبوك، قصص صغيرة جدا، تشبه الألعاب النارية، فتتحول سريعا إلى الأكثر تدوالا، والرابط بينها أن مواضيع ثانوية جدا أو تافهة جدا، بينما القضايا الأساسية، فلا تجد تفاعلا، بل إن المبادرات الجادة من قبيل صناع الخير في شهر الخير، بكل نضالهم اليومي لمساعدة المحتاجين، لا يحصلون على أي اهتمام، للأسف الشديد.

وامتد فيروس التواصل الاجتماعي لضرب الإعلام، ليزدهر مصطلح الإعلام الجديد، وأصبح كل إنسان في كوكب الأرض مشروع صحافي، لمجرد توفره على هاتف محمول من الجيل الذكي، كما يلقب تجاريا، وزادت الحماسة لما ظهر البث المباشر عبر منصات مواقع التواصل الاجتماعي.

ولم يعد المعيار في جزء من عالم الصحافة، مهنية الصحافي وجودة وجدية ما يقدمه، بل المعيار للأسف الشديد، من يتابعه عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكم عددهم، وظهرت تجارة رقمية مالية جديدة، شراء اللايكات والمتابعين، فتطور الأمر لظهور حسابات آلية، أي لا يمثل حساب واحد = إنسان واحد.

انتقادي موجه أساسا منذ سنوات، بدون مجاملة، إلى مواقع التواصل الاجتماعي، وإلى نجومها الذين يشبهون فقاعات الصابون، لأنني أعتقد بوجود خوارزمية تشتغل بها الشركات المالكة لمواقع التواصل الاجتماعي، من أجل صناعة الرأي العام كما تريد، وتحويل الناس إلى مستهلكين غير عاقلين، بل ناقلين وغير ناقمين في عملية التوجيه الميكانيكي، مع تكسير الرقابات التقليدية القانونية.

كما أعتقد أن وسائل الإعلام عبر العالم، سقطت بسرعة في فخاخ مواقع التواصل الاجتماعي، فبدأت تأتي أخبار من مواقع التواصل الاجتماعي، بشكل متزايد يوميا، وبدأ خبراء في الإعلام يحذرون من انتشار الأخبار الكاذبة، والصفحات والحسابات غير الصحيحة وغير الموثقة.

ومع مواقع التواصل الاجتماعي، تراجعت أو انهارت المقروئية في مجتمعات مثل الحالة المغربية، وسقطت العائلات المغربية مثلا، في كذبة كبيرة جدا، بضرورة أن يساير أبناءها التقدم التكنولوجي، وأن يتوفروا باكرا على هاتف محمول وذكي، ومرتبط دائما بالإنترنت؛ وهنا رابحان رئيسيان، يديران لعبة التواصل الاجتماعي؛ هما شركات صناعة الهواتف المحمولة، ومعها شركات الاتصالات، لأنها تبيع أكثر، والخاسر الأكبر هو مشروع تلميذ نجيب، ومعه العائلة التي ابتلعت الكذبة.

وهنا أطرح سؤالا محوريا، يمكن أن يمثل طوق النجاة الجماعي، ماذا لو نفذت البشرية مقاطعة لمواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي؟

* كاتب وإعلامي

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.