الجامعة كفضاء لتصريف الفشل على مستوى الشارع السياسي والصراعات بين الخريجين

0

محمد العمراني *

إن العودة بالسجال الدائر بين النخب الأمازيغية اليوم، والتي تمثل فئة الخريجين من الجامعات المغربية المؤطرين بتوجه الحركة الثقافية الأمازيغية شريحة عريضة منهم، إلى الجامعات له وجهان أحدهما سلبي والآخر إيجابي. بمعنى أن سلبيات هذه العودة لها مبرراتها على مستوى الشارع السياسي، بينما إيجابياتها تكمن في أن الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة التي يتخبط فيها الشأن الأمازيغي بالمغرب اليوم لا يمكن إلا أن يبدأ مجددا من خلف أسوار مؤسسات البحث العلمي، إذ أن المنتوج السابق لهذه الأخيرة بيّن على ضعف كبير واعوجاج في تصورات الخرّيجين العقلانية والمادية لما يدور خارج الجامعات في مجالات وتنظيمات عديدة: ثقافية، سياسية، اقتصادية، وعلى مستوى العمل الاجتماعي التطوعي والهيئات الموازية من قبيل منظمات وجمعيات المجتمع المدني… إلخ، وصولا إلى التنظيمات التي كانت من إبداعات الحركة الطلابية كالتنسيقيات واللجان المحلية التي يتم إنشائها بين الفينة والأخرى لتتبع قضايا وملفات لقضايا قائمة هنا وهناك.

1. الجانب_السلبي لفكرة اللجوء للجامعة كملاد للفرار من الفشل على مستوى الشارع السياسي:

إن فشل النخب الأمازيغية (وأقتصر دائما على فئة خريجي الجامعات المؤطرين بفكر الحركة الثقافية الأمازيغية) في فهم ومواكبة سير المؤسسات ونظيمة المخزن في تعاملهما مع الأمازيغية كهوية وثقافة وتدابير اقتصادية، هو نتيجة ضعف إما: التكوين الأكاديمي، أو الإمكانيات المادية، أو إثر عوائق سوسيولوجية مجتمعية تتبوء فيها السلطة بمفهوم ميشيل فوكو الصدارة. جعل من الجامعة ملادا آمنا لتصريف المواقف بين هؤلاء.
وبطريقة أكثر بساطة، فخريج الجامعة يجد نفسه في مأزق بين، إما:

– البطالة كظاهرة اجتماعية لها تداعياتها على مستوى الفكر وتجييش العواطف خصوصا وسط مجتمع أبوي تهيمن عليه سلطة رب الأسرة.

– وإما الوظيفة التي تفرض عليه سلك سبل جديدة في تدبير الحياة الفردية والعائلية، التي لها أيضا تداعيات على المستوى العاطفي والاستعدادات القبْلية للتضحية، والتي تساهم كذلك في خلق قطيعة يعتبرها البعض طفرة في السلوك الفردي للأشخاص ما بين مرحلتي الطلاّبية والوظيفة.

فيجد نفسه غير قادر على تجاوز هذه العوائق الكبيرة، ليبدأ:

– العاطل: بالحنين إلى الجامعة بحكم أن جل ترسبات دماغه لازالت تختمر فيها أفكار الراديكالية والتعصب لفكرة “المخزن المستعمر” وغيرها من خليط الأفكار التي تطورت لديه جراء حواجز عدم العثور على عمل، والشواهد الجامعية التي قضى سنوات وضغوطات من أجل الحصول عليها، رغبة في الاستقلال الفردي/المادي عن السلطة الأبوية والمجتمعية، الذي يؤثر كما ذكرنا سابقا في الاستعدادات السيكولوجية الجديدة لديه.

– الموظف: في عيش عالم آخر أكثر تشنجا واضطرابا من السابق، فالتصورات الأولى التي تأتيه في مخيلته تؤكد له بأن استقلاله المادي يمنحه الفرصة في تكوين أفكار أكثر ملائمة لما يعيشه الإنسان المغربي، والأمازيغي بالخصوص، فتظهر للبعض منافد عديدة لتصريف هذه الرغبة في المشاركة، من قبيل التحزب، أو العمل في هيئات وجمعيات المجتمع المدني، أو إنشاء مجموعات لها مواقف موحدة حول نفس الأفكار (عبر وسائل التواصل الاجتماعي مثلا). وكلها أمور تعطي للخريج الموظف رؤية أكثر وضوحا للمشاكل الحقيقية التي يعيشها المواطن في الشارع السياسي، فتبدأ تصوراته الجديدة بالانسلاخ تدريجيا عن تلك التي كانت تدور بين أسوار الجامعات. لتتولد لديه رغبة جامحة في تصحيح تلك التوجهات الفكرية التي لازالت تؤطر طلبة الحركة الثقافية الأمازيغية .. وهنا يبدأ في العودة إلى الجامعة مجددا. باعتبارها كيانا غير منتج، تغيب فيه كل جهود الاستثمار والنهوض بها، بشكل مقصود من طرف كيانات خارجية تؤثر على الفاعل الجامعي وتفقده روح المسؤولية.

كما نلاحظ محددات أخرى للجوء وعودة الخريجين الموظفين إلى أحضان الجامعات، مثلا في الفشل في إيجاد مؤسسات أو هيئات حاضنة لتصريف تلك التصورات التي تبلورت لديهم إثر القطيعة التي سبق وتحدثنا عنها، بين عالمي البطالة والشغل. أو حتى تلك التي تلقاها بين أسوار الجامعة. وإما في الخجل أو الخوف من المشاركة في تلك المؤسسات خشية فك ارتباطاته القديمة مع مجموعة الأصدقاء الذين كونهم خلال الفترة الجامعية، أو السخرية منه حين محاولته العودة بشكل من الأشكال لمناقشة شؤون المجتمع الأمازيغي، باعتبار المتلقي الأول لهذه الخطابات هم الطلبة أنفسهم.

ولا أنسى هنا كذلك الإشارة إلى فئة أخرى ما بين العاطلين والموظفين، وهي فئة قليلة يمكن أن نسميها بالخريجين العصاميين الذين استطاعوا تكوين شركات صغيرة أو مؤسسات ووكالات أو مشاريع مدرة للدخل، تعود عليهم بأرباح أكثر من تلك التي يحصل عليها الموظف، وهؤلاء يكون موقفهم من العودة إلى الجامعة غالبا متدبدبا ومصلحيا أكثر من كونه موقفا مبنيا على رغبة في تصريف أفكار أو خطاب ما. فالعودة للجامعة لديهم يعتبر تارة مضيعة للوقت أو رغبة في السخرية، أو حنينا وارتباطا بصداقات وعلاقات اجتماعية محدودة.
وأعتقد أن عودة الخريجين وحنينهم إلى الجامعات، وبالخصوص إلى الحركة الثقافية الأمازيغية والتدخل في شؤونها وكل ما يتعلق بالطلبة الحقيقيين بها، قد تكون له دوافع قد أصفها بالمرضية. فالخريج الذي سبق له وتعرض للعنف أو السجن إثر مواقفه أو سلوكاته داخل أسوار الجامعات، من الناذر أن يصنع لنفسه قطيعة أبدية مع هذا الفضاء، فتجده يبحث دائما عن مببرات لتواجده وقربه الدائم من فضاء الطلبة، إما للحفاظ على الصورة النمطية التي يحمل بها صفة “المناضل”، أو “المعتقل”. وإما للتأكد من أن فئة الطلبة لازالت تتذكر تضحياته داخل الجامعة، لأن مجرد التخلي عن فضاء هذه الأخيرة يهدد تلك الذاكرة بالزوال، لأن الجامعة مجال مرور للافراد لا بقائهم فيها دائما.

2. #الجانب_الإيجابي لفكرة اللجوء للجامعة كملاد لتصفية الصراعات الدائرة بين الخريجين وعلى مستوى الشارع السياسي:

إن الحل الوحيد للخروج من هذه الأزمة التي يتخبط فيها الشأن الأمازيغي بالمغرب اليوم لا يمكن إلا أن يبدأ مجددا من خلف أسوار مؤسسات البحث العلمي، إذ أن العطب الذي أصاب بنية المجتمع المغربي يكمن أساسا في غياب وضعف آليات القدرة على التحليل السليم له. وهي مهمة ليست بالسهلة، بل هي لا يمكن أن تكون من اختصاص الأفراد مهما على شأنهم الأكاديمي والمعرفي.
إن بناء تصورات جديدة حول علاقة الإنسان الأمازيغي بمجاله الجغرافي، والفضاء السياسي والاقتصاد والثقافة، والدين والسلطة .. وتصحيح كل تلك المغالطات التي لازالت تسرّب بقصد ! لطلبتنا في الجامعات المغربية على أنها هي الحقيقة، هو الكفيل ببناء مستقبل آخر أكثر طموحا للقضية الأمازيغية.
كما أن التربية على تقبل الاختلاف وفهم التاريخ الحقيقي للمجتمع المغربي وسوسيولوجيته، هو الكفيل بالحد من هذه الصراعات التي لازالت تمنع الحركة الثقافية الأمازيغية من التحرك من مكانها منذ أول تأسيس.

إن استغلال والاشتغال على فهم مصطلحات ك : “إغرم” كوحدة بشرية غير متجانسة تجمع فيما بينها المصالح المشتركة في رقعة جغرافية محددة، هو الكفيل ببناء فهم حقيقي لباقي المجالات الأخرى، والتفكير في حلول مبتكرة للنهوض بالمجتمع من خلالها. (وهذا على ما أعتقد هو المبرر من وراء خلق التنسيقيات في وقت سابق !)
إضافة إلى أن تأطير وتفكيك المفاهيم الكبرى التي لازالت تستعمل اليوم في أوساط الطلبة الأمازيغ من قبيل “تمازغا” ، “أمور ن أكوش”، والتي توهم الكثيرين منهم بأمور لا يمكن أن تكون إلا أوهاما، خاصة لدى دارسي التركيبة الجيو-سياسية للعالم اليوم. هو الحل في نظري من أجل تجاوز مأزق صناعة أجيال وجحافيل أخرى من الخرّيجين الذين يفقدون ارتباطهم بالواقع المعيشي كل يوم ولا يستطيعون تجاوز معيقاته، أو ينزوون وراء مكاتب المؤسسات والإدارات في انتظار فرج قادم أو مبادرة معجزة.

في الختام لا يسعني إلا التذكير بأن الفعل النضالي يمكن أن يكون: براكماتي، مخادع، أناني، انتهازي أحيانا .. لكنه لا يجب أن يكون انتحاريا (سواء عن قصد، أو بغباء).

* باحث في الثقافة الأمازيغية

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.