الصلاة في المسجد بين رحمة الإسلام و تشدد أبو النعيم

0

رضوان جراف*

عندما نهى الرسول الله صلى الله عليم و سلم عن التنطع في الدين، و شدد في ذلك حيث قال حسب ما رواه مسلم في صحيحه، “هلك المتنطعون، وقالها ثلاثا”،  فقد عليه الصلاة و السلام يعرف أنه سيخرج بعده أشباه الدعاة يهرفون بما لا يعلمون، و يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، تغلبهم حماسة الخطيب و تغيب عنهم حكمة العالم، و كما يقال الحماسة بركان ولا تنبت على قمته أعشاب التردد.

و بمناسبة الحديث في هذا الموضوع، هي تلك الضجة التي أحدثها الشيخ السلفي المعروف، بأبي النعيم، و نحن هنا لسنا في معرض الاستدراك أو الرد عليه فيما ذهب إليه بخصوص التعليق المؤقت للصلاة في المساجدـ، و الفتاوى التي أصدرها في الموضوع،  فتلك صنعة العلماء و أهل مكة أدرى بشعابها، لكن هذا لا يمنعنا كطلبة للعلم، يشرفنا أن نجثو على ركبنا لنتلقى العلم من ذويه، أن نسائل الشيخ الجليل على الحجج و البراهين التي بنى عليها موقفه الرافض لهذا الإجراء الذي أصدره المجلس العلمي الأعلى الذي يضم خيرة علماء وطننا المشهود لهم بالعلم و المعرفة.

سنساهم في هذا النقاش من خلال حديث واحد عن الرسول صلى الله عليه و سلم، الذي بعث رحمة للعالمين، حيث ورد في الأثر أن الرسول الكريم ، عليه الصلاة و السلام، كان في أوقات المطر والدحض، يقول المؤذن: صلوا في رحالكم عند قوله: حي على الصلاة … يقول: صلوا في رحالكم، صلوا في بيوتكم، أو بعد الأذان: صلوا في بيوتكم، إذا كان في مشقة على الناس من جهة المطر أو الزلق في الأسواق، و هكذا فعله ابن عباس في الطائف، حيث أمر المنادي أن ينادي وأخبر أن النبي قال ذلك، وفعله عليه الصلاة والسلام، وهذا من باب رحمة المسلمين والشفقة عليهم والرفق بهم.

فإذا كان الرسول الكريم وصحابته رضوان الله عليهم، الذين ساروا على نهجه و تمسكوا بسنته، كانوا يرأفون بالمؤمنين من المطر الزلق و سوء الأحوال الجوية، و يطلبون منهم الصلاة في رحالهم و بيوتهم، فكيف بنا اليوم و نحن أمام وباء ملأ ذكره الآفاق و حصد آلاف الأرواح، و أجمع علماء الأمة في جل الأقطار على وجوب تعليق الصلاة في المساجد، رحمة بالمسلمين و وقاية لهم من كل مكروه، فهل الأمطار أخطر على المسلمين من الوباء الذي ينتشر بين الناس كما تنتشر النار في الهشيم، ألم يأمرنا الرسول صلى الله عليه و سلم بالأخذ بالأسباب في كل شيء و إلا نتواكل تحت علة أنه لن يصيبنا إلا ما كتبه الله لنا، حتى قال العلماء أن ترك الأسباب فسق.

و لكن ماذا نقول إذا كان الله قد نزع الرحمة من صدر شيخنا الكريم، تلك الرحمة التي هي أساس هذا الدين و بها بعث رسولنا الكريم، الذي قال فيه الله عز وجل، و ما أرسلناك إلى رحمة للعالمين.

ألم يدرك شيخنا الكريم، أن الإسلام حث في كثير من الآيات والأحاديث على التيسير وعدم التشديد في أمور الدين والدنيا، حيث قال سبحانه،  يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ، وقال  صلى الله عليه وسلم : (إن الدين يسر، ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا، وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة، أم أنه ينهل من معين آخر غير الذي عليه عامة المسلمين، معين اليسر و الوسطية و الاعتدال.

* كاتب وصحافي

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.