المجلس الأعلى للمناخ و دروس كورونا.. ” الوقاية خير من العلاج”

0

محمد بنعبو *

عرف المغرب خلال العقود الأخيرة تطوراً اقتصادياً وسكانياً مهماً واكبه تزايد الضغط على الموارد الطبيعية بالموازاة مع ذلك أثر تغير المناخ على مجموعة من القطاعات، ، مؤثراً في نفس الوقت على قدرة النظم البيئية الغابوية والقطاع الفلاحي على استرجاع حيويتها، لاسيما بسبب الندرة في الموارد المائية، حيث كان نصيب الفرد منها أكثر من ثلاثة أضعاف في سنة 1960 مما هو عليه في يومنا هذا.
ووعياً منه بهذه الوضعية، انخرط المغرب في نهج إرادي وجاد لمكافحة تغير المناخ، برسم ملامح رؤيته الخاصة، مع التقيد بالقرارات المتخذة جماعياً على الصعيد الدولي.
كشــفت مديريــة اأمرصــاد الجويــة الوطنيــة المخاطب الرسمي بالمغرب لهيئة الخبراء الحكوميين حول تغير المناخ في تقرير سابق لها، أن مناطــق المغــرب المصنفــة مناطـق رطبـة وشـبه رطبـة، تراجعـت نسـبتها خـلال السنوات الأخيـرة، وتزايـدت في المقابـل نسـبة المناطـق الجافـة وشـبه الجافـة، و يعـزي التقرير ذلـك أساسـا إلـى ارتفـاع المتوسـط السـنوي لدرجـة الحـرارة بـما يقـارب 0.16 درجـة مئويـة خـلال العشـر سـنوات الأخيرة، وانخفـاض حجـم التسـاقطات المطريـة بنسـبة 47 في المائـة علـى المسـتوى الوطنـي، وعمــدت مديريــة الأرصــاد الجويــة الوطنيــة إلــى تتبــع تغير المنــاخ بالمغــرب لرصــد التغيــرات المناخيــة المرتقبة، بالاعتماد على لائحـة مـن المؤشـرات المتعلقـة بالتغيـرات المناخيـة.
وتوقع التقرير ارتفـاع في المتوسـط العـام لدرجـة الحرارة خـلال فصـل الصيـف يتـراوح بـن 2 و4 درجـة مئويـة، وانخفـاض المتوسـط العـام للتسـاقطات بوتيـرة متواصلـة حتـى نهايـة القـرن الواحـد والعشـرين، مما سيؤدي إلى انعدام اأتمن الغذائي وندرة الموارد المائية وتدهور حالة التربة مما سيزيد من حدة النقص في اإ نتاج الفلاحي؛ و ما سيرافقه من مضاعفات على صحة الساكنة، بالإضافة إلى هشاشة المناطق الساحلية بفعل عوامل التعرية و تأثيرها السلبي على التنوع الحيوي على مستوى منطقة شمال المغرب و تحولها منطقة جافة، مما سيؤدي إلى هجرة اأاصناف التي تعيش في المناطق شبه الصحراوية نحو المرتفعات، مع تزايد موجات الهجرة.
و كان المغرب قد صادق عام 1995 علــى الاتفاقيــة الإطاريــة للأمم المتحـدة بشـأن تغيـر المناخ، وأنشـأت إطـارا للأهـداف التـي يسـعى المغـرب إلـى تحقيقهـا لإقـرار حكامـة جيـدة فـي مجـال المنـاخ، مـن أجـل مواكبـة إلتزاماتـه الدوليـة والوفـاء بهـا، وتنبنـي هـذه الحكامـة علـى عـدة أجهـزة للقيـادة والتنسـيق بيـن القطاعات الحكومية و التأطيـر العلمـي، فبالإضافة إلى وزارة الطاقة والمعادن والماء والبيئة باعتبارها المؤسسة الوطنية الرئيسية المعنية بشؤون المناخ، و المكلفة بتنسيق أعمال المغرب المرتبطة بالتزاماته تجاه مضامين الاتفاقية الدولية، نجد عدة مؤسسات وطنية و لجان علمية على رأسها اللجنة الوطنية حول التغيرات المناخية: جهاز للتنسيق بين الوزارات من أجل إدماج تدريجي لبعد المناخ في التشريعات والبرامج القطاعية، إضافة إلى ذلك أنشأ المغرب عدة مؤسسات استشارية وطنية منها المجلس الوطني للبيئة والمجلس الأعلى للماء والمناخ و المجلس الأعلى للغابات
في المغرب و لمواجهة تهديدات تغير المناخ و في ظل أزمة الماء المتنامية في مناطق عديدة، تم الإفراج صيف عام 2019 عن النص التنظيمي لإحداث المجلس الأعلى للماء والمناخ، تفعيلا للمادة 79 من القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء و بهدف الإسراع في إرسال هياكل المجلس وبيان اختصاصاته التفصيلية.
و كان المغرب خلال الفترة الممتدة ما بين 1998 و2017 قد تكبد مجموعة من الخسائر الكبيرة قدرت بــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 174 مليون دولار سنويا جراء المخاطر المناخية، هذا ما كشف عنه تقرير لمنظمة “جيرمان ووتش” الألمانية المعنية بقضايا البيئة،و سجل التقرير احتلال المغرب الرتبة 124 عالميا من أصل 180 دولة في المخاطر المناخية بالعالم.
من أجل تحقيق طموحات المغرب الكبيرة، تم الانخراط في عملية تشاورية واسعة مع الأطراف المعنية حيث مكّنت هذه العملية من مراجعة السياسات والبرامج التي انتهجها المغرب من أجل مكافحة ارتفاع الحرارة المناخية وتحديد مستوى الطموح الذي يرغب المغرب في بلوغه في إطار مساهماته المحددة وطنيا سواء في مجال التخفيف من حرارة المناخ أو في التكيّف معها.
و يهدف المغرب الى التخفيض بنسبة 17% من انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري في أفق عام 2030 و تخفيض إضافي بنسبة 25 % بشروط معينة، مما يرفع التخفيض الكلي لانبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري إلى نسبة 42 % سنة 2030
و يختص المجلس الأعلى للماء و المناخ بالمغرب بدراسة القضايا المعروضة عليه، والقيام بناء على الدراسة المذكورة بإعداد كل اقتراح يمكن المجلس من إبداء رأيه، وكذا البث في طلبات عرض أو موضوع يتعلق بالماء والمناخ على أنظار المجلس.
بالإضافة الى رؤساء الجهات الإثنا عشر و مديري وكالات الأحواض المائية، ورؤساء مجالس الأحواض المائية، يتألف المجلس تحت رئاسة رئيس الحكومة من ممثلي مختلف القطاعات الوزارية والمؤسسات العمومية المتدخلة في مجال الماء، و ممثلي جمعيات مستعملي المياه والجمعيات العلمية الناشطة في مجالي الماء والمناخ ومجالس العمالات والأقاليم ومؤسسات التعليم العالي والبحث العلمي والهندسة الوطنية.
و يتوفر المجلس الأعلى للماء والمناخ على لجنة دائمة تترأسها وزارة التجهيز و النقل و اللوجستيك و الماء “المديرية العامة للماء” تسهر على إعداد اجتماعات المجلس ورصد تنفيذ توصياته وكذا النظر في أي مسألة تتعلق بسياسة الماء والمناخ، إضافة الى إعداد المخطط الوطني للماء وتنظيم اجتماعات التشاور والتنسيق اللازمة لإعداده.
أما في فرنسا، فإن سياسة الماء على المستوى الوطني هي من شأن وزارة البيئة والتنمية المستدامة والنقل، بينما يعود التنسيق بين مختلف هذه القطاعات إلى البعثة الوزارية المشتركة للماء، كما أن التدبير المحلي للماء مقسم حسب الأحواض المائية، حيث تتكفل لجان الأحواض برسم التوجهات الكبرى لتدبير الماء داخل كل حوض ووكالات الماء بتفعيل ذلك التدبير، وهو يقوم على سبعة مبادئ أساسية هي التالية: تدبير لا مركزي على مستوى الأحواض النهرية الهيدروغرافية، ومقاربة مندمجة، وتنظيم المشاورات و التنسيق والتخطيط والبرمجة على مدى سنوات متعددة، وتسعير الماء حسب الكميات المستخرجة والاستهلاك وتعبئة الموارد المالية النوعية المشتركة على مستوى الحوض، وتوزيع واضح للمسوؤوليات بين السلطات العمومية والفاعلين الخواص في تدبير المرافق الجماعية للماء الصالح للشرب والتطهير السائل.
أوصى الخبراء في فرنسا بضرورة أن تكون مخططات الطوارئ الاقتصادية ذات صبغة “خضراء” و كذلك أن تكون المساعدة العامة للشركات المتضررة من أزمة كورونا مشروطة بالحفاظ على كوكب الأرض بالخفض من ملوثاتها التي تؤدي إلى الإحترار العالمي، هذا ما تدافع عنه هيئة مستقلة تسمى “المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي”، بينما يبقى التساؤل الذي يطرح نفسه هو هل ستكون الحكومة حساسة للنصائح العلمية التي تتقدم بها هذه الهيئة في زمن كورونا و التي جاء بها تقرير الهيئة الأخير: “المناخ والصحة:الوقاية خبر من العلاج”
إن لجنة التنسيق الإداري المسماة: “المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي”، هي مجموعة مكونة من الخبراء التي تم إنشاؤها في شهر ماي 2019 بناء على أوامر من رئيس الجمهورية الفرنسية، وهي هيئة علمية تتكون من ثلاثة عشر عضوًا متخصصين في علوم المناخ، وهي المسؤولة عن إبداء الرأي حول السياسات العمومية التي سيتم تنفيذها للوفاء بالتزامات فرنسا الدولية في مكافحة تغير المناخ بصفة عامة و باتفاق باريس خاصة.
و في تقرير خاص حول الدروس التي يمكن تعلمها من أزمتي المناخ وكورونا أكدت الهيئة المستقلة بخصوص الاقتصاد والانتقال الطاقي أنه أمر قطعي: “من الضروري أن تكون استجابة السلطة التنفيذية الفرنسية استجابة خضراء” .
و يضيف التقرير أنه: “للاستجابة للصدمة الاقتصادية والاجتماعية والمالية، يجب أن تدمج نهاية الأزمة والتعافي في حالة الطوارئ المناخية و من الضروري وضع قضايا المناخ في صميم لما بعد الأزمة الاقتصادية لفيروس كورونا. ”
ترأس “المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي”، عالم المناخ الفرنكوكندية كورين لو كويري. وهي أستاذة علوم تغير المناخ في جامعة إيست أنجليا ببريطانيا، حيث تقود مجموعة بحثية حول انبعاثات الغازات الدفيئة، وكانت عضوا بالهيئة الدولية لتغير المناخ، وهي عضو في أكاديمية العلوم البريطانية ، و عضو في “لجنة تغير المناخ” التي تقدم المشورة لحكومة المملكة المتحدة بشأن سياساتها المناخية.
تقرير شهر أبريل 2020 الصادر عن “المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي”، يؤكد على أن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون انخفضت بنسبة 30٪ تقريبًا خلال فترة الحجر الصحي، و بالتالي فهو يجزم أن تكون لأزمة فيروس كورونا الاقتصادية أي تأثير إيجابي على المناخ.
و يضيف التقرير :”إن الانخفاض الجذري في انبعاثات غازات الدفيئة الذي لوحظ في فرنسا خلال الأزمة الصحية لا يزال هامشيًا في مواجهة تحديات المناخ ولا يلبي توقعات الانتقال العادل. ”
لم تأت هذه الانخفاضات من التغييرات الهيكلية، ولكن من القيود المفروضة والمؤقتة في السفر و الإستهلاك، لذلك من المحتمل أن تكون قصيرة العمر، بينما سيكون هذا التأثير على المناخ أكثر تواضعا حيث أن الحجر الصحي سيكون له على الأرجح آثار جانبية سلبية غير مرغوب فيها.
يجب أن نتجنب، “إعادة إنتاج سيناريو عام 2008 مع مخططات الانتعاش الاقتصادي الذي يتم التحضير لها”، تقول رئيسة المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي: “استعادة النشاط بعد الأزمة عام 2008 صاحبه انتعاش مذهل في انبعاثات ثاني أو كسيد الكربون في العالم.”
و بينما يخشى الكثير من أن وسائل النقل العام ستعاني من الوباء، بسبب تدابير التباعد الاجتماعي، يحذر المجلس: “إن نمط السفر الذي سيرافق العودة إلى العمل بعد الحجر الصحي يمكن أن يؤدي إلى تغييرات هيكلية، إذا ما تم توجيهه نحو طرق بديلة للنقل. ”
لم يذكر التقرير “تخطيط المدن التكتيكي” و لم يحذر من اتخاذ تدابير احترازية لتعزيز التنقل مثل المشي وركوب الدراجات، وخاصة في المدن الكبيرة.
إذن كيف يمكن أن تبدو الخطة الخضراء للخروج من الأزمة في الواقع؟ المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي يقدم سلسلة من التوصيات والتحذيرات في تقريره، ويحذر فريق الخبراء من أن كسر نموذج التنمية عالي الكربون يعني “الاحتفاظ بموارد الميزانية والمالية للتعافي لاستخدام متوافق تمامًا مع الأهداف المناخية والبيئية”.
لذا ، توصي لجنة التنسيق الإنسانية بتقييم التدابير الواردة في خطط الطوارئ والإنعاش على مستوى مجلس الدفاع البيئي وأن منح تدابير الميزانية أو الحوافز الضريبية للشركات يجب أن يكون مشروطا بالتبني الصريح لخطط وآفاق الاستثمار المتوافقة مع مسار الكربون المنخفض، وكذلك دعم العاملين في القطاع، وبعبارة أخرى ، لا يمكن دعم السلطات العامة دون شروط مسبقة.
تصر عالمة المناخ رئيسة المجلس كورين لو كوريه “كلما كانت القيود واضحة منذ البداية كلما زادت فرص نجاحها”. وتشجع “الحكومة على إقامة التزامات قوية للغاية مع الشركات”. و تضيف “ما نقوم به ضد الفيروس التاجي، يجب أن نكون قادرين على القيام به من أجل الانتقال البيئي”.
بينما يعمل أرباب العمل ومجموعات الضغط الاقتصادي المختلفة على وضع معايير معينة، يحذر المجلس “إن الاستجابة المرحلية لطلبات بعض الفاعلين الاقتصاديين لتخفيف القيود المرتبطة بالمناخ من الضروري ن تراعي الحفاظ على معايير التلوث وتعزيزها، بما في ذلك عبر الاتحاد الأوروبي”، خاصة في قطاع السيارات، أحد أكثر مصادر انبعاثات ثاني أوكسيد الكربون.
و يضيف التقرير: “يجب إعتبار أية مساعدة لقطاع السيارات جزءًا من تحويل سلاسل الإنتاج إلى مركبات منخفضة الكربون مع انخفاض انبعاثات الكربون خلال دورة حياتها، والتي ستفي أيضًا بمعايير التلوث الأوروبية الأكثر طموحًا. ”
وفيما يتعلق بالنقل الجوي، تعتقد كورين لوكير أن “هذا هو أحد أهم القطاعات التي تكون فيها إعادة البناء كما كان من قبل، مهما كانت التكلفة غير مناسبة”. وأكدت عالمة المناخ: “إنه أحد القطاعات الوحيدة التي لا يكون من المرغوب فيها على الإطلاق زيادة الطلب”، داعية “إلى التفكير في كيف وعلى أي مستوى نرغب في تولي هذا القطاع وتحت أية ظروف”، مع “مناقشة مفتوحة وعلنية حول هذا الموضوع”.
في حين يواصل سعر برميل النفط انخفاضه، بسبب انخفاض الطلب، يذكر المجلس الأعلى للمناخ بفرنسا أن هذه الظاهرة ليست مرضية للمناخ: “إنها تجعل الطاقات المتجددة أقل تنافسية وتخفي الصعوبات الهيكلية للقطاع، وبالتالي قضية أمن الطاقة لفرنسا.”
لذلك توصي رئيسة الهيئة بالاستفادة من الأزمة لتقليل اعتمادنا على النفط والغاز في أسرع وقت ممكن، ويشير تقرير الاعلى للمناخ إلى أن “الفترة لا تتعارض مع التفكير في الضرائب” دون الإشارة مباشرة إلى ضريبة الكربون الشائكة: “يمنحنا انخفاض سعر الطاقة مجالًا للمناورة لإعادة التفكير في فرض الضرائب المستدامة حول التلوث، لذا يجب استكمال تخفيض الإعفاءات الضريبية المرتبطة بالوقود الأحفوري، كما جاء به قانون المالية الفرنسي لعام 2020، بمرافقته بالتدابير اللازمة للانتقال السليم” مضيفة :”يجب أن نستفيد من هذه الأزمة للخروج من الوقود الأحفوري”
و كان قد خصص المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي خلال تقريره الأخير بعض الكلمات التوجيهية لقمة المناخ المقبلة التي تم تأجيلها بسبب أزمة فيروس كورونا، و التي كان من المقرر إجراؤها في شهر نونبر المقبل، مع دخول آليات اتفاق باريس حيز التنفيذ هذا العام، على اعتبار أن مؤتمر الأطراف للمناخ المقبل في غلاسكو يعتبر أمرا حاسما ويجب ألا يعيد إنتاج الفشل و موقف اللاموقف الذي حدث في قمة المناخ السابقة بمدريد في دجنبر من العام الماضي: “يجب أن تهدف الإجراءات التي تتخذها فرنسا إلى ضمان طموح المساهمات الوطنية الجديدة والدفاع عن صياغة مخططات التحفيز المحددة في الخارج بهذه المساهمات الوطنية، لتجنب الوقوع في نماذج انبعاثية. ”
و يواصل المجلس الأعلى للمناخ العمل على استراتيجية الحكومة الوطنية منخفضة الكربون، بعد أن كان قد قدم أول تقرير حاسم للغاية في شهر يونيو 2019، من خلال وضع اللمسات الأخيرة على التقرير التالي المتوقع في شهر يونيو المقبل، وتؤكد كورين لوكويري، رئيسة المجلس، أن “الهدف من هذا التقرير هو الوصول بوضوح إلى مستوى من التوصيات والتحليلات أكثر تفصيلاً مما قمنا به حتى الآن”.
وكالعادة، ستضع لجنة التنسيق الإنسانية جردًا للتقدم السياسي وانبعاثات غازات الاحتباس الحراري السنوية: “سنلقي نظرة أكثر تعمقًا على استراتيجية الكربون المنخفض، ودراسة المخاطر وافتراضات الأسعار القائمة والضرورية لتحقيق حياد الكربون”، وفي الوقت نفسه، سيعلق المجلس الأعلى أهمية خاصة على الالتزامات الإقليمية مع تحديد “المبادرات الإيجابية” المتخذة على المستوى الإقليمي.
و بموازاة مع ذلك، سيحاول اعضاء المجلس فك “الجزء المستورد من البصمة الكربونية”. وذكّرت السيدة رئيسة المجلس أنه لا يوجد أي تقرير لحد الآن يبلغ “مسؤولية فرنسا عن الانبعاثات الناتجة في الخارج” عن المنتجات المستهلكة داخل حدودها، وتضيف: “طلبت الحكومة منا الإبلاغ عن هذا الجزء المستورد من البصمة الكربونية، لمعرفة من أين أتت بالفعل وما إذا كانت البيانات موثوقة.”
إذا كان الإستراتيجية الوطنية منخفضة الكربون في فرنسا تهدف إلى الحد من تأثير تغير المناخ، فمن الواضح أن الاحترار العالمي موجود، تضيف رئيسة المجلس: “لذلك ستتم دراسة مسألة السياسات التي اتخذت للتكيف مع تغير المناخ، وهل فرنسا مستعدة للرد على هذا التحدي؟ “.
سيحاول المجلس أيضًا تحديد تأثير الإستراتيجية الوطنية منخفضة الكربون على التوظيف والتدريب، وذكرت كورين لو كوريه بقولها “أود أن أشير إلى أن دورنا هو مراقبة عمل الحكومة وعدم القيام بالعمل من أجلها”، على هذا النحو ، تم إرسال رسالة إلى وزير الاقتصاد والمالية برونو لومير يطلب منه المجلس أن يأخذ بعين الاعتبار تأثير هذه الاستراتيجية على التوظيف.
و من بين الملفات المعروضة على أنظار المجلس الاعلى للمناخ ملف الاقتصاد الرقمي وعواقبه، تفيد السيدة الرئيسة: “هناك مشكلة كبيرة في البيانات مقارنةً بالحالة الرقمية، فمستوى الانبعاثات غير معروف جيدًا، لأنه متاح فقط على المستوى القطاعي، وهذا يجعل من الصعب تحديد بصمة الكربون لك قطاع بدقة”، و بناء على هذه الورقة العلمية سيدرس المجلس الرقمي الوطني هذه القضية بالتعاون مع المجلس.
و تعتقد رئيسة المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي:”أن الإجراءات الحالية ليست في مستوى الاعلان عن حالة الطوارئ المناخية”، حيث لاحظ الجميع في مواجهة فيروس كورونا تم تخصيص مبالغ مالية جد مهمة لاحتواء الوباء، وتضيف كورين لو كويري :” في مواجهة حالة الطوارئ المناخية لا أحد في المستوى”، و تضيف كورين: “إن فرنسا لا تحقق أهدافها المناخية” و “أن جهودنا السنوية لخفض الانبعاثات يجب أن تتضاعف ثلاث مرات بحلول عام 2025 “.
وكان قد أصدر المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي أول تقرير له صيف العام الماضي، مبرزا أوجه القصور في سياسة الحكومة الفرنسية لتحقيق الحياد الكربوني في أفق 2050.
وأكدت عالمة المناخ الفرنسية خلال مداخلة لها أمام المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الفرنسي بشأن الاستجابة التي قدمتها الحكومة لفيروس كورونا المستجد، أن الفيروسات التاجية أجبرت الحكومات على العمل بشكل عاجل من أجل المصلحة العامة” و “يتم وضع مخططات العمل على أساس البيانات العلمية الحديثة، يتم تنسيق الاستجابة السريعة دوليًا، بدعم من الأفراد والشركات، و بفضل التواصل المستمر، يتم تخصيص مبالغ مالية كبيرة على المستوى الوطني أو الأوروبي لمساعدة الشركات على تجاوز هذه الأزمة” و “لذا نحن نعرف كيف نفعل ذلك ” تضيف كورين لوكويري.
و تصر عالمة المناخ على أنه في مواجهة الاحترار العالمي الذي يهدد حياة الملايين والأنظمة البيئية بأكملها: “لا أحد على مستوى أزمة المناخ التي دخلنا فيها” و “إن فرنسا بالتأكيد ليست بالبلد الاسوء في العالم أو في الاتحاد الأوروبي؛ لكننا نتحدث عن فئة من الكثبان الرملية ” تقول كورين لو كويري.
التقرير الأخير للمجلس الأعلى للمناخ الفرنسيى أشار إلى ضرورة تعبئة العمل المناخي الدولي عبر تفعيل إلتزامات بروتوكول باريس لتغير المناخ، خصوصا الجهود الدولية التي بذلت لصالح الغابات، ولا سيما الإلتزامات التي أعلنت عنها فرنسا في إعلان نيويورك للغابات، مع تسريع التعبئة الأوروبية لحماية الغابات حول العالم، و يصر التقرير على الإسراع في تنفيذ اتفاق كيغالي التعديلي لبروتوكول مونتريال بخصوص الغازات الدفيئة مع إعطاء الأولوية للغازات الدفيئة ذات العمر القصير مثل: غاز الفريون، غاز الميثان وغاز الأوزون في أفق التخفيف من درجة الإحترار العالمي و لتحقيق فوائد صحية كبيرة.
و سيتعين على المجلس الأعلى للمناخ الفرنسي تجاهل بعض المواضيع والقضايا المطروحة عليه للنظر فيها على الأقل في الفترة الراهنة لكون المجلس الحالي لا يضم في تركيبته سوى على اثنا عشر عضوا فقط و لكن بقيمة علمية كبيرة و ذوو خبرة دولية معترف بها في المناخ و الإقتصاد، بينما سيحظى قطاع النقل الباعث الرئيسي للغازات الدفيئة في فرنسا باهتمام خاص كما ذكرت السيدة الرئيسة أن تقريرًا مستقبليًا محتملاً سيخصص حصريًا لهذا القطاع الذي ينبعث منه الكثير من ثاني أوكسيد الكربون.
و في كندا أعلن المجلس الاستشاري للعمل المناخي، الذي تم الإعلان عنه على هامش بيان الحكومة الاقتصادي خريف عام 2018، عن فرص الحد من تلوث الكربون وتشجيع النمو الاقتصادي، من خلال تركيز العمل بشكل رئيسي على قطاعين: النقل والبناء، حيث ينتج هذان القطاعان معًا أكثر من ثلث انبعاثات غازات الاحتباس الحراري في كندا.
و يدرك الكنديون أن البيئة النظيفة والاقتصاد القوي يسيران جنبًا إلى جنب، حيث تلتزم الحكومة الكندية بتنمية الاقتصاد، وخلق وظائف ذات أجر جيد للطبقة المتوسطة، واتخاذ إجراءات لضمان مناخ صحي، وبيئة صحية ومستقبل مزدهر للأطفال.
و وفقًا لـمعهد الموارد العالمية التابع لمؤسسة الأبحاث العالمية، فإن عدد ضحايا الفيضانات سيتضاعف في جميع أنحاء العالم، وستتضاعف معه كلفة الأضرار الناجمة عن هذه الكوارث على المنازل والشركات والبنيات التحتية العامة، حيث لن تنجو كندا من هذه الظاهرة، وقال المعهد إن الأضرار الناجمة عن الفيضانات بلغت حوالي 2.4 مليار دولار أمريكي، و إذا لم يتم فعل شيء لمنع هذه الكوارث أو تخفيفها، فسوف ترتفع الفاتورة إلى حوالي 6.6 مليار دولار أمريكي.
و من المتوقع أن يرتفع عدد الكنديين المتضررين من 200000 في عام 2010 إلى أكثر من 350000 في عام 2030، وبحلول عام 2050، يمكن أن تزيد التكلفة السنوية للفيضانات إلى أكثر من 14 مليار دولار أمريكي وستؤثر على 431000 شخص.
و تقول سامانثا كوزما إحدى واضعي التقرير، أن تغير المناخ يعتقد أنه مسؤول عن حوالي ثلث خطر الفيضانات المتزايد، ولكن يمكن أن تعزى الفيضانات أيضًا إلى النمو السكاني، مما قد يدفع المزيد من الناس والشركات إلى الاستقرار في المناطق المعرضة بشكل متزايد للفيضانات.
و تعتقد كوزما أن التكاليف يمكن أن تتغير بشكل كبير إذا جعلت البلدان التخفيف من الفيضانات أولوية، حيث تشير التقديرات إلى أن كندا يمكن أن توفر أكثر من دولارين مقابل كل دولار يتم استثماره في بناء السدود أو في قنوات الصرف الصحي
وقال بلير فيلتميت من جامعة واترلو إن التقرير يقدم دليلا إضافيا على أن الفيضانات ستكون أكبر وأكثر تواترا وأكثر تكلفة إذا لم تتحرك السلطات.
و يسلط التقرير الضوء على مدى اعتبار الكنديين لمسألة الفيضانات، و كونها ليست بالمشكلة الرئيسية و ذات الأولوية، وتساءل كيف يمكن للضحايا الجمع بين الإبعاد الجسدي والصراع ضد ارتفاع المياه أو الإخلاء.
و من المفترض أن تبعث كل دولة في شهر أبريل بتقريرها السنوي لهيئة الأمم المتحدة بخصوص بيانات انبعاثات الغازات الدفيئة، و لكن بالنسبة لكندا البيانات لا تزال متأخرة بعامين، حيث يشير آخر تقرير لكندا و الذي يرجع لعام 2018، أنه قد بلغ إجمالي إنبعاثات كندا حوالي 729 مليون طن من غاز ثاني أوكسيد الكربون وما يعادله، و تعد هذه الكمية أكبر من 714 مليون طن من الإنبعاثات المسجلة قبل عام، وهي أقل بقليل من 730 مليون طن من إنبعاثات كندا في عام 2005.
و تلتزم كندا بخفض الإنبعاثات إلى 70٪ من مستويات عام 2005 بحلول عام 2030، وجاء ثلثا الزيادة من النقل البري، وكذلك من استخراج النفط والغاز ومعالجته، ولكن إنبعاثاته الإضافية قابلها انخفاض كبير في الإنبعاثات بسبب انخفاض كمية الفحم الذي تستخدمه كندا لتوليد الكهرباء.
في كندا، خلال الأزمة الصحية، لم يتم التخلي عن التشاور بشأن التنقيب عن النفط، فبينما تتوقف البلاد مؤقتًا لحماية السكان من الجائحة عبر فرض الحجر الصحي بمجموعة من المدن الكندية، فإن مخططات حكومة جاستن ترودو فيما يتعلق باستكشاف البيئات البحرية قبالة نيوفاوندلاند لإستغلال النفط والغاز هناك، على الرغم من أزمة الفيروس التاجي.
على إثره ارتفعت العديد من الأصوات البيئية عاليا، حيث لا تكفي حلول التحفيز الاقتصادي لوحدها لحل الأزمة الصحية التي خلقها فيروس كورونا المستجد، مجموعة من منظمات حماية البيئة والقطاع الصحي ومجموعات المواطنين والنقابات تمثل ما مجموعه أكثر من مليون شخص وجهوا رسالة موقعة إلى رئيس الوزراء الكندي ترودو وحكومته في هذا الصدد.
و أوضحت الدكتورة كورتني هوارد، رئيسة مجلس إدارة الرابطة الكندية لأطباء البيئة: “نحن في مرحلة حاسمة ويجب أن يتم تعميم تغير المناخ في جميع عمليات صنع القرار، و يجب أن تفيد السياسات التي ننفذها اليوم جميع الكنديين بحيث يمكننا الثقة في مرحلة ما بعد الفيروس التاجي. ”
و يقول باتريك بونين، مدير حملة الطاقة و المناخ في غرينبيس كندا: ” يجب على الحكومة توفير التكوين والدعم المالي الأساسي للطبقة العاملة مباشرةً، وضمان الإدارة المستقلة لبرنامج التخلي عن آبار النفط والاستثمار في مستقبل طاقة نظيفة ومستدامة “.
تضم هذه المجموعة الكندية الموقعة على الرسالة التاريخية في زمن كورونا، العديد من المنظمات البيئية النشيطة بإقليم كيبيك، حيث يضيف رئيس منظمة كيبيك للطبيعة: “ننتظر جميعًا صانعي السياسات والمساهمين لتوجيه أعمالهم نحو مجتمع أكثر عدالة واقتصاد أكثر استدامة؛ دعونا نحتفظ بالأمل خلال فترة الحجر الصحي هذه!”
هو عمل كبير إذن ينتظر المجلس الاستشاري الجديد للعمل المناخي لحث كندا على الوفاء بالتزاماتها بموجب بروتوكول باريس لتغير المناخ لمن خلال إيجاد فرص أخرى للحد من التلوث الكربوني في القطاعات الأكثر تلويثا، وبالتالي تنزيل بشكل أسرع التزامات و خطة كندا لمواجهة تغير المناخ، وذلك بخلق فرص للشركات والعمال للاستفادة من التمويل المستدام.
ويترأس المجلس الاستشاري الكندي للعمل من أجل المناخ كل من: تمارا فرومان وستيفن جيلبولت، حيث من المفروض أن يقدما تقاريرهما إلى كل من وزير البيئة وتغير المناخ ووزير المالية الكنديين صيف هذا العام لإبراز مدى استجابة كندا للاستعجالية المناخية.
في المغرب و لدعم آليات التشاور بشأن تغير المناخ، تمت المصادقة في شهر فبراير الماضي على إحداث اللجنة الوطنية للتغيرات المناخية: هيئة التشاور والتنسيق من أجل تنفيذ السياسة الوطنية في مجال محاربة تغير المناخ، ضمن اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ و بروتوكول باريس لتغير المناخ، و من المنتظر أن تسهم اللجنة في إعداد السياسة الوطنية المتعلقة بتغيرات المناخ وتتبع تنفيذها، و كذا اقتراح ودراسة مشاريع المخططات والبرامج ذات الصلة بالقضايا التي تهم تغير المناخ وتتبع تنفيذها، واقتراح برامج للتوعية والإعلام والتكوين ونقل التكنولوجيات النظيفة والسهر على تنفيذها.
وتتكون اللجنة الوطنية للتغيرات المناخية من السلطات الحكومية بالإضافة إلى المندوبية السامية للتخطيط، والمكتب الوطني للسلامة الصحية للمنتجات الغذائية والوكالة الوطنية لتنمية تربية الأحياء البحرية، ووكالة التنمية الفلاحية والوكالة الوطنية لتنمية مناطق الواحات وشجر الأركان، والوكالة الوطنية للنباتات الطبية والعطرية والمعهد العلمي، والمعهد الوطني للبحث الزراعي، والمعهد الوطني للبحث في الصيد البحري، والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني.
كما تضم اللجنة في عضويتها، ثلاثة ممثلين عن الجمعيات الأكثر تمثيلية العاملة في مجال التغيرات المناخية أو التنوع البيولوجي أو هما معا، يعينهم رئيس اللجنة لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، من لائحة تقدمها الجمعيات المذكورة.
وتضم لجنة المناخ في عضويتها كل من المجلس الأعلى للماء والمناخ و مركز الكفاءات للتغير المناخي بالمغرب، و تم تأسيس هذا الاخير كمركــز للمعرفـة والخبـرة والتكويـن والحـوار فـي هـذا المجـال ثلاثة أيام قبل انطلاق قمة المناخ في نسختها الثانية و العشرين بمراكش، وينطلـق فـي عملـه مـن مبـدأ تظافـر جهـود كل الفاعليـن المعنييـن بموضـوع التغيـر المناخـي بالمغـرب، مـن إدارات عموميـة وجماعـات ترابيـة ومؤسسـات عموميــة وشــبه عموميــة وقطــاع خــاص وجمعيــات المجتمــع المدنــي وباحثيــن جامعييــن وخبــراء.
و يبقى الأمل معقودا على المجلس الأعلى للماء و المناخ المغربي أن ينهج نفس الدينامية التي يعرفها نظيره الكندي و الفرنسي، بالرغم من أن هذين الأخيرين لم يتم تأسيسهما سوى في السنتين الأخيرتين، بالإضافة أنه ما يميز المجلسين الفرنسي و الكندي للمناخ هو الإنسجامية في التركيبة فكل أعضاء المجلسين هم خبراء في علم المناخ والاقتصاد والزراعة و الانتقال الطاقي، إلا أن إستقلالية المجلسين تجعل منهما قوة إستشارية كبرى رهن إشارة الحكومتين الفرنسية والكندية في أفق إشتغالهم على توفير رؤية مستقلة لسياسة المناخ الحكومية، هذا بالرغم من أن التحــدي الأساسي الــذي يتعيــن رفعــه مــن أجــل ضمــان نجــاح عمليــة التنفيــذ الناجــع لسياسـة محاربـة التغيـر المناخـي بالمغـرب يكمـن فـي التنسـيق بيـن أعمـال كل أجهـزة الحكامـة المعنيـة بهـذا المجـال، بالإضافة إلى الإشتغال بالشـكل الكافـي واستثمار جميع الإمكانـات التـي تنطـوي عليهـا، بهـدف ضمـان التنسـيق الناجـع لجهـود التكيـف مـع التغيـرات المناخيـة والتخفيـف مـن آثارهـا.

(*) مهندس وخبير في المناخ والتنمية المستدامة

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.