بريجة تكتب.. هل التعري تحرر؟

0

خديجة بريجة *

هل يمكن اعتبار مقاطع الفيديو أو الصور التي تعرى فيها النساء أو يعرين عن اجسادهن دليل التحرر من القهر الذي يمارسه المجتمع العربي على بناته الطامحات لاثبات وجودهن بانوثتهن وشبابه الراغب في هتك عرض الغير استجابة لميولاته النفسية؟؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال لابد من محاولة تعريف التحرر، الذي اعتبره عبارة عن سيرورة ذاتية للانفلات من قيود الضرورة الحيوية، الاجتماعية، النفسية، والاقتصادية… وبذلك فالذات الإنسانية في إطار سبرها لاغوارها وأغوار مجتمعها قد تتجاوز ذلك إلى سبر أغوار ثقافات اخرى تقف عند خضوعها لوقائع تراها غير معقولة أو لا يقبلها تشريعها الذاتي فتسعى بكل وعي ان تجاوز تلك القيود وتلتزم بما يدعو اليه تشريعها الخاص. وعليه فمن الطبيعي أن تتغير سلوكيات وتوجهات ومعتقدات الأفراد بعد التمكين الاقتصادي والفكري الكافي لتحقيق الاستقلالية الذاتية عن المجتمع ومؤسساته المؤطرة.

لنعد إلى فكرة تعرية الجسم لدرجة الكشف عن الاعضاء التناسلية للجنسين في الفضاءات العامة كانت واقعية أو افتراضية تحت شعار التحرر.
هل هي فعلا تحرر ذاتي ام انه مجرد محاولة لتنزيل فكر مقلد غير هادف لخدمة الانسانية؟؟ في سياقات متعددة يبدو أن هذه الفكرة غير معقولة وغير مبنية على فكر ذاتي مستقل.

بقدر ما إنها عبارة عن رد فعل نفسي تروج له بعض المدارس النسوية المتطرفة التي تنظر للجسم الأنثوي نظرة محدودة.
ولا يمكن ربط التحرر بطبيعة الملابس المرتادة ولا بطبيعة المكياج المزين للوجه، ولا بطريقة المشي…
بل يظهر التحرر في المرونة الفكرية والسلوكية إلى جانب خدمة الإنسانية ومحاولة المساهمة في تحريرها من القيود.
فالتغريد بأهمية تمكين المرأة من التعري في مجتمع يفتقر إلى أساسيات العيش الكريم ويستثمر الكبت الجنسي كوسيلة للضبط الاجتماعي هو دعوة إلى تقييد الناس أكثر من تحريرهم.
صحيح أن وسائل أولياء التنشئة بأهمية الستر قد تكون بطرق تربوية وبيداغوجية مبنية على السلطوية و الفرض أكثر من الاقناع، مما يوفر إمكانية التمرد والرفض. وهنا تسير الوسيلة سبب رفض الفعل وليس الفكرة أو المعتقد المؤطر للفعل.

ومن المفروض تجاوز هذا الطرح لا لشيء إلا لان الجسم ماهو الا ملك خاص للانسان يفعل به ما يشاء في فضائه الخاص ويجعله لائقا بما يقتضيه الفضاء العام المخصص لفرض الذوات المتميزة التي سخر اصحابها ما لديهم من طاقة، جهد، ووقت لبنائها. اما الجسم فما هو إلا معطى طبيعي أهميته ونفعه يبقى رهين بما يقدمه لوطنه من فائدة كميداليات ذهبية في مجالات تليق بالانسانية وتعينها لضبط اهوائها والتفكير في شروط اجود للانوجاد الجماعي.

أما الاهتمام المفرط بالجسم وعرضه أمام أعين البشر فهو بشكل من الأشكال يؤثر سلبا على المجتمع ويحولهم أدوات جنسية استهلاكية.

هكذا يسير التعري سبيلا آخر من سبل الخضوع للضرورة الحيوية التي قد تفرض نفسها من خلال الضرورة النفسية.

(*) مدرسة مادة الفلسفة وباحثة في علم الاجتماع

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.