بوشدوق يكتب.. سيكولوجية الجماهير في العالم الافتراضي

1

المهدي بوشدوق *

يمكن تحديد ماهية سيكولوجية الجماهير- أو بتعبير أدق عقلية الجماعة – في التبعية المفرطة للميل النفسي المصاحب للفعل السلوكي لمجموعة معينة اتجاه موضوع أو حدث معين، تحت غطاء ديني أو مذهبي أو سياسي أو ثقافي، وبتوجيه من طرف المثير، أي مثير السلطة بمعناها الشمولي: سلطة دينية، إعلامية، سياسية، اجتماعية، رأسمالية، فنية، إيديولوجية، شخصانية.

ولاشك أن هذه السيكولوجية متفشية بكثرة خاصة في المجتمعات المنغلقة التي تعاني نوعا ما من العذاب النفسي، إما بسبب الفقر أو الجهل أو الأمية أو الاضطهاد أو العنصرية بشتى أنواعها، أو تبعا للحسابات السياسية المتوترة في عمق تلك المجتمعات، لذلك استطاعت تلك السلطات من فهم طبيعة ونفسية تلك المجتمعات، وبالتالي تيسر لها التمكين من مأمورية التحكم فيها لدرجة انصياعها لتنفيذ أهدافها عن بعد ( العالم الافتراضي )، بواسطة توظيف تقنيات التواصل الاجتماعي، حيث عمدت كل سلطة من تلك السلطات المتنافسة على توظيف مختصين نفسيين لتجنيد ضحاياها والسيطرة على عقولهم، وبالتالي الدفاع عن توجيهاتها ضد من تعتبرهم مخالفين لها في العالم الواقعي.

أهم ما يميز مظاهر عقلية الجماهير:
– ضعف الفر دانية وذوبانها في الجماعة بشكل غير واعي.
– غياب العقلانية في التفكير وطغيان الجانب العاطفي.
– ضعف التمييز بين المضامين المتصارعة .
– ضعف آلية التفكر النقدي.
– تضخم الحماسة وسهولة الانصياع والانقياد، وسرعة الانفعال.
– تقديس آراء دعاة الجماهير .

أما أهم تجليات ومظاهر سيكولوجية وعقلية الجماعة في العالم الافتراضي فيمكن إجمالها مثالا وليس حصرا كما يلي:

1- تجييش الجماهير الخاصة بالمغنيين والفنانين: حيث أصبحنا نسمع في الوسط الفني الجيش الفلاني يمتلك صفحة خاصة بالفايسبوك لمهاجمة صفحة فنان يختلف معه ، والذي بدوره لديه جيش خاص به لنصرته ضد ذك الجيش المخالف، وفي الصراع تستعمل أبشع العبارات بين كل الأطراف.

2- تجييش الجماهير الخاصة بالسياسيين: حيث نرى بوضوح تفشي الصراع السياسي خاصة في وقت ذروتها الانتخابية من طرف جيوش الأحزاب السياسية في الصفحات الفيسبوكية، فيتم توظيف كل الأساليب المتاحة والممكنة من أجل تشويه صور الحزب الفلاني، أو تشويه الصورة المعنوية لأمينها العام أو منتخبيهم أو أعضاءهم في الأمانة العامة.

3- تجييش الجماهير الدينية داخل الدين الواحد: والحقل الديني كما هو معروف منذ التاريخ يطغى عليه ثنائية الشيخ والمريد، سيطرة عقلية الشيخ على عقول جميع مريديه، وهو حقل في جانب منه مليء بالتكفير والتفسيق والتضليل والتبديع للمختلف معهم، بل يصل لدرجة استحلال القتل وإراقة الدماء، كل جماعة دينية تنتقد أختها بأشد العبارات، من أعلى شيخها لأصغر مريديها، لذلك نرى حماس مريدي الجماعة للشيخ الفلاني على حساب شيخ آخر، وهذا الأخير له جماعة متحكم فيها تنافح عنه ضد ذلك الشيخ، فكل جماعة دينية لديها جماهير مطيعة تخدمها وتنصرها ضد الجماعة التي لا تتماشى مع خطابها.

4- تجييش رواد العرائض الالكترونية : اتجاه حدث أو موضوع معين، بل وصل الأمر للدعوة لاعتقال أشخاص بصفاتهم ومحاكمتهم، كل صاحب عريضة يجيش أتباعه من الضحايا واستمالتهم بلغة العاطفة تارة والدين والقبيلة تارة أخرى، فتتكاثر العرائض المتنازعة وتوظف كل جهة ما يمكن لرفع أعداد الموقعين على تلك العرائض.

5- تجيش المريدين لغلق الحسابات والصفحات الفيسبوكية لأشخاص بعينهم: حيث يعمد صاحب المبادرة – والذي غالبا يكون غير معروف العين والصفة – لاستقطاب واستمالة رواد الفايسبوك بلغة عاطفية من أجل المشاركة في غلق حسابات فيسبوكية في ملكية أشخاص يختلفون معه ، بتبريرات ومسميات دينية ثقافية وإيديولوجية.

6- تجييش رواد الفايسبوك من أجل مقاطعة منتوج معين ، وهي ظاهرة الصراعات بين الشركات الكبرى، حيث تعمد كل شركة حسب إمكانياتها الافتراضية بتشويه قيمة منتوج معين لدى الشركة المنافسة، وما يتطلبه من شراء للصفحات الكبرى وتأجيرها من أجل الدعوة لنصرة منتوج معين على حساب المنتجات المنافسة في السوق المحلية، أو تأجير رواد الفيسبوك المشهورين والذين لهم متابعين بالآلاف والملايين لتشويه قيمة ذلك المنتوج في عيون متابعيه، وبالتالي يتم توظيف كل شيء لخدمة الشركة والفوز بعاطفة المستهلكين.

كل هذه التمظهرات تشكل خطرا بنيويا على صحة وسلامة المجتمع، ويزيد من حدة الكره والصراع والتوترات بين أفراده، وبالتالي يلزم تدخلا مباشرا من طرف عقلاء المجتمع سواء أكانوا مفكرين، كتاب، أطباء نفسين وعلماء اجتماع، وسياسيين وطنيين، وعلماء دين مجتهدين، لتحليل الظاهرة وحصر حدودها قصد محاولة علاجها والتخفيف من أثارها، ووضع قوانين تحمي المجتمع من حالة الفوضى التي يعيشها في العالم الافتراضي.

عموما تبقى سيكولوجية الجماعة حاضرة بقوة في المجتمعات، حيث تلغى وتذوب فيها مفهوم الفردانية والشخصانية لصالح العقل الجمعي للجماعة، والتي تتغذى على تعليمات أصحاب المصالح الكبرى، فشخصية الجماعة – الحشد – مستوطنة ومتوغلة في العالم الواقعي، وما العالم الافتراضي إلا نقل وترجمة لذلك التوغل، نظرا لما يوفره هذا العالم من إمكانيات سهلة وسلسة وبسيطة لاختراق وضم كل الأفراد داخل حشد واحد، وتوظيفهم لخمة كل الأغراض والأهداف.

* أستاذ باحث

تعليق1
  1. ربيع حريش says

    مقال مفيد و وافي
    تحياتي للكاتب المتألق

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.