رأي.. رسالة إلى سعادة القارئ ومعالي المثقف

0

عبد الرحمان بوفدام

إننا على مشارف الدخول الى مجتمع المعرفة، فها هو القارئ قد عاد ليحتضن الكتاب. هاهم القراء يشهرون سيوفهم في معركة القراءة، وها هي رحى الحرب تدور بين القراء وأشباه القراء، وقد حمي وطيسها وارتفع غبارها حتى لا تكاد تميز من ينتمي إلى هذا المعسكر أو ذاك. بات القارئ اليوم، فارس إحدى الطائفتين: فإما أنه في زمرة من يستهلكون بضاعة فاسدة وإما في زمرة من يأكلون الفاكهة من حيث لا تؤكل.

مهلا، هل قرأت كتاب “فن اللا مبالاه” لمارك مانسون؟ إنه يعلمك جملة واحدة، وهي “أن تركل الدنيا في مؤخرتها”. هذا فقط، لذلك لا حاجة بك إلى قراءته، فإنني أعفيك من عناء السفر عبر السطور الوعرة والجمل المقفرة. خذ لك صورة وأنت “لا مبالي” وها أنت فهمتَ فحوى الكتاب. أرأيت! ما أسهل أن تكون قارئا!
إن ” قواعد العشق الأربعون” تُريك أربعين خطة لاستدراج حبيبتك إلى الفراش. هكذا بكل ببساطة. أتكون غبيا بحيث لا تعرف كيف تجرّ العشيقة الى معركة السرير! الا زلت بحاجة لتتعلم في هذا المجال؟ لا بد أنك أحمق. خض التجربة وانس عليك خطط الكتاب. هيا إلى السرير مباشرة. أيحتاج السرير إلى كتاب!
ثم هل قرأت كتاب “نظرية الفستق” لفهد عامر الأحمدي؟ إنه يعلمك كيف تأكل الفستق. فقط لا غير. لذلك تناول منه صحنا والتقط لك صورة، وها أنت فهمت الكتاب. الفستق يحتوي على حبة وقشرة، وأنت.. أيهما تحب؟ القشرة تحمي الحبة، أليس كذلك؟ نظريا، يمكن للقشرة أن تكون ألذ من الحبة. يعني .. فكر بطريقة مغايرة، حتى ولو على حساب التفكير.. لا يهم. هذا ما يحاول الكاتب أن يوصله إليك.
ثم لا بد أنك قرأت “نظام التفاهة” لألان دونو! إنه أسهل من سابقيه. “كن تافها كالتافهين”، هذه هي رسالة الكتاب. لا تهتم بأي موضوع، وكن دائم الضحك، تصرف بغباء وجبن كما لو أنك سكرانٌ طول الوقت. هذا ما يوصيك به الكتاب. ألم أقل لك إن القراءة سهلة. ثم ما حاجتك إلى قراءته إذا كان العنوان يوحي بكل شيء سيقوله الكاتب في كل هذه الصفحات الطويلة المملة. هل نسيت أن هذا الملل هو عدوك اللذوذ، لذلك آثرت أن تكون تافها كي تقتله.

كيف فاتك أن تنشر بعض كتابات “دستويفسكي”.. لا بد أن تكتب بعضا منها ليرى العالم كيف أنك قارئ عالمي.. قارئ فحل.. قارئ جامع ناظم.. قارئ موسوعي.. قارئ لا يشق له غبار.. إن كتابات دستويفسكي تٌظهرك عميقا.. محللا نفسانيا..كائنا من زمن آخر.. إن هذه الجمل العائمة كسحب متفرقة، تكقيك وعثاء مطاردته داخل صفحات كتبه.. التقط لك بعضا منها وافعل كما يفعل كل المثقفين الجدد، يصاحبون الاقتباس بصورة.. كن عميقا يا صديقي، عميقا جدا.. في سطحيتك.
ولا تنسَ حين تستعرض عضلاتك الفكرية، مغامراتك القرائية ونزواتك الافتراضية أن تؤثث المشهد بفنجان القهوة. فلا يعقل أن تكون مثقفا لا يحتسي القهوة. ضعه جانبا، واحرص على أن تخبر العالم بطريقتك أنها بلا سكر.. حتى لو كانت مليئة بالسكر. العالم في نهاية المطاف يصدق ما يرى، وليس الحقيقة.
وبما أن القراءة “موضا” كسائر “الموضات” فلا بد أن تساير ما في سوقها. أقصد أن تكون لك مكتبة خاصة.. حتى ولو كانت مطبوعا من ورق يظهر في خلفية الصور.. أن تكون فيها هذه “الكتب الجديدة” أرأيتها؟ يا إلهي! إن لها تصميما بارعا.. ملمسا حريريا.. ديزاين مغري.. ليس بالضرورة أن يُكتب فيها شيء في الداخل.. ربما بعض العبارات القصيرة والكثير من الصور.. ألا تعرف أننا في زمن “الصورة” ؟ فالكتب أيضا يجب أن تساير الزمن. ثم إن الانسان لم يعد قادرا على التركيز كل هذه المدة. لم يعد يستطيع أن يقرأ طويلا.. بالكاد يستطيع أن يقرأ فقرة واحدة. هل تريده أن يفقد عينيه أو يفقد عقله؟ إن القراءة لمدة طويلة مضر بالصحة ويحتاج منا مجهودا مضاعفا. بات الانسان قادرا على “الحملقة” فقط. يريد أن يرى كل شيء. فإن كنت تريد أن تخاطبه أو تصل إليه.. فما عليك إلا أن “تصور له” الرسالة. إنهم الآن يكتبون كُتبا، تشبه ما يُكتب في هوامش الكتاب. لم يعد هناك متن. أفرغنا مساحة الوسط. واستقدمنا الهوامش القصيرة لتصبح متنا. إلى وقت قريب، كانت كتب كهذه “عيب” أن تصدُر عن شخص يسمى “كاتب”.. كان يستحي أن ينشر هذا الغسيل أمام الآخرين.. الآن أصبح هذا الغسيل هو من يحتكر الساحة.. حتى لم يبقَ حيز للكتاب الحقيقي.. والكاتب الحقيقي.. والمواضيع الحقيقية..
ثم إن “الكتاب الجدد” مصابون بالاسهال.. لا ينتهون من عمل حتى يبدأوا واحدا آخر.. إنهم يبيضون الأفكار.. وإننا بحاجة إلى مزيد من البيض لنصنع بها كعكا فكريا نملأ به السوق.. إنها كالبضاعة الصينية.. تدخل من كل باب بأرخص الأثمان.. إننا نريد منها كميات كبيرة.. لأنها رخيصة وتبدو في مظهر ذات الجودة العالية.. تشبهها في كل شيء .. سوى الجودة. يا إلهي!
إنهم، لا بد، يكتبون حتى في المرحاض.. ليس لديهم وقت للاستراحة.. لا غرابة أن تكون لكتاباتهم رائحة غريبة.. والأفواه الجائعة تظل مفتوحة ولا تأبه للرائحة.. تريد أن تلتهم الطعام لتملأ جوفها الفارغ.
إنهم لا شك يتعاطون “حبوب الكتابة”.. تماما كحبوب “الفياغرا”. تظل أقلامهم منتصبة طوال الوقت، مستعدة للتناسل ضاربين عرض الحائط “تنظيم النسل الكتابي”. لذلك لا غرابة أن تجد “حارات الكتابة” مكتظة بأطفال غير شرعيين، مرميون لأهوال الشارع. إنها “دعارة الكتابة” أكثر مما هي “فن الكتابة”، و”دعارة القراءة” أكثر مما هي هواية.

فإذا أتقنتَ كل هذه الأدوار فأنت الآن “خبير قراءة”.. حان الوقت لتغزو هذه المنتديات الافتراضية بصورك مع الكتب. والعم “غوغل” يمدك بكل التفاصيل الباقية؛ ملخصات، اقتباسات، انطباعات، قراءات نقدية.. وحتى عندما يعلق عليك أحدهم، لا تُجبه بجُملك الرديئة، لأن العم “غوغل” يعطيك أكثر مما تتوقع، فهو يملك الردود على الأسئلة.. انسخ فقط.. انسخ ايها الكائن المنسوخ.. فمهمتك المستقبلية لن تتجاوز النسخ والتكرار.
أرأيت!
إننا في طور إنجاز شيء لم يشهد له العالم مثيلا من قبل. إننا على بعد خطوة – أو خطوتين على الأكثر – من ثورة فكرية ستوقظ العالم من سباته العميق. إننا بهؤلاء “المثقفين الجدد” الذين نفاخر بهم العالم أجمع، لا يمكن إلا أن نصنع معجزة ستُسكت أفواه الأصدقاء قبل الأعداء.

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.