زرير يكتب.. عدجو… تصورات… حريتي…

0

أحمد زرير *

في الحقيقة سأبدأ من حيث وضعت ثلاثة نقط للحذف… وليست نقط النهاية، حقا لكل بداية نهاية، ونهايتي هي منتصف الطريق. إنها وجود وثمرة الأصل وعبره وضعت تصوراتي وآراء لم تكن في الحسبان أو بالتعداد. فقد شاءت الأقدار أن تسلك الأفكار كل المسارات المفتوحة من أجل معرفة هوية عالم المجهول، على قوم وضعهم الزمان فوق خط التاريخ القديم وفي سلة الإهمال والنسيان. إنه الأمر الذي جعلني دائما اختار المغامرة والنضال لأعود من جديد إلى العزة والأصل المجيد. وأنطلق من التاريخ إلى ماهيتي، وصولا إلى جغرافيتي، حيث وضعت كلمتي الأولى.

كلمة خفيفة وغير اعتيادية، كلمة ثقيلة وليست غريبة كلمة… كلمة… من فضلك حتى وإن كنت غائبة أو حاضرة لا تبتعدي ولا تنزعجي فسأنطقها والحقائق ستفشى والحواجز ستلغى فقط لنطق كلمة كثر ما قيلت وقل ما سميت وما أكثرها إثارة للانتباه والشك في حياتها.

إنها “عدجو” بنت موحى صديق عسو، كلاهما من العائلة الماسينسية، فتاة أمازيغية ذات أنوثة متميزة وجذابة أنيقة متزينة بالحناء والخلخال تستحق كل الاحترام والإجلال لعل النظرة الأولى إليها توحي بأنها غريبة من عالم الكهوف وحياة الالتقاط، تتمتم بالمبهم وتنطق بغير المفهوم. كنت هكذا أنظر إليها ولكن ما إن جالستها حتى اكتشفت أنها ابنة تمزغا العظيمة وكنز حقيقي لحرية وكرامة الإنسان، فتاة وشمت في ذاكرتي روح الحكمة والشجاعة، سليلة الأحرار وعاشقة الأحباب، فتاة بسطت لها جبال صاغرو. ليس الجلوس معها مجرد متعة الجلوس مع فتاة ذات حكايات وقصص قل لها سميع، بل أكثر من ذلك هي واقع وساحة رحبة للنقاش الهادف، بألوان تمزغا المتناسقة ودروس نبيلة في الأخلاق وفن المعارك والانتصارات والإيمان بالاختلاف والتعامل مع الآخر واكتساب لسلوك الانضباط والإخلاص ورفض للواقع وتبصر للأفضل.

إنها تصورات العقل… إنها رمز لبوكافر منذ اللقاء كانت محطة الأنظار وغابة من الأفكار لا أقول متناثرة ومتحجرة بل هي منضبطة بقوانين ومبادئ إنسانية، قبل أن أستعد للمغامرة وللرحلة كما هو المعتاد، كثرت علي الأسئلة من كل صوب. هل أغامر؟ هل أخوض تجربة أخرى؟ هل ابدأ من جديد أبحاثي؟… كانت هي حالة اكتئاب وثورة لفترات يغيب فيها العقل، لكن المبادئ والمسؤولية الملقاة على عاتقي لم ترخص لي أبدا أن أعيش في الواقع تحت القهر والسلطة، رغم أنني مرغم وسجين تحت المراقبة ووابل من الرصاص وأرى من بعيد لم أكن كذلك، فقد فكرت وخططت ووقعت أحداث جعلتني اختار المسار المنحرف ليس المنحرف عن قوانين الطبيعة بل هو مسار وتموجات لكل من يرغب ويحب عدجو. مسار يتكون من عدة مراحل لا أعرف هل له نهاية أم لا؟

هذه هي عدجو… خطواتها وراء شمس الأثير بطيئة تتموج وتميل إلى الاتجاهين، تتقدم وتتراجع في لحظة تثير أثناءها انتباه الواقف للتأمل والمراقبة، فقط لكي تجعله في حالة الوجود أو تعيده من حالة النسيان والوجود، إنها تناقضات لكل من وضع عدجو في خانة الهواية والاستمتاع ولكل من رسم نقطة النهاية للرحلات والاستكشافات.

خطواتها فوق مسار التاريخ المفتوح، على العالم المجهول جعلتني أقترب أكثر فأكثر عن طريق المعرفة والعودة إلى الماضي من أجل الحاضر ووعي المستقبل لكنني كلما حاولت الاقتراب تمايلت واختفت.

التمايل والاختفاء كلمات ومراحل للرحلة الطويلة سرها عدجو العريقة البطلة، وهي أيضا مرحلة من بين المراحل. في الحقيقة قبل أن أنطلق طرحت السؤال ماذا تكون؟ من أين هي؟ هل لها تاريخ؟ هل لها أصل؟ ماذا تريد في حياتها؟ إنها الإشكالات الكبيرة التي دفعتني إلى اختيار المسار. توقعت أن الرحلة لا تتطلب الكثير فتزودت بالقليل وعزمت ألا رجعت في القرار. انطلاقة كانت كلها حيطة وحذر خوفا من النفي والاعتقال إن لم أقل الموت. ومن عادتي القديمة تحية الإخلاص “َAzul”… كانت هي كلها مجالا للإبداع وتربة خصبة للعطاء وإثارة النقاش وما أكثر الأمور تثير الانتباه حديثها وكلامها إن لم يكن لغزا فهو حكمة وسؤال وإن لم يكن ذلك فهو فكرة مزعجة للعقل، وليس الإزعاج الذي تعرفونه. لقد بدأت الرحلة منذ أن تعرفت عليها وكان الهدف موجودا فوق جبل شامخ وبعيدا وسط صحراء جنوبية في قرية الربيع تسكن قصباتها ملائكة الحرية المكبلة بالسلاسل.عليها وقعت خلافات وصراعات نهايتها الانهزام والفرار من أجل صراع وقمع جديد. وفي سبيل- البحث عن ماذا-؟ تراجع عد كبير من صيادي الكنوز وأصحاب العقول البسيطة حقا كانت هي رحلة مشوقة مليئة بالمفاجئات تنذر بالحرية والكرامة والاعتراف بالخطيئة… منذ أن انطلقت لم استطع أن أكبح الرغبة التي تدفعني إلى النضال والاستكشاف ومن طبائعي في نفسي وليس في عقلي أسعى للتعابير النورانية وأرسم في كل مكان الرموز النفيسة واعتدنا الحديث عن قصص أجدادنا، وحياة أمهاتنا، وصداقة أفكارنا ومشاريع مستقبلنا وكثرة الأسئلة وأسرار لم تكن من الدرجة الأولى كلها مواضيع تصطدم بالحواجز. بسبب وحدتنا جغرافيا وقربنا تاريخيا، مع نوع الإقصاء والتهميش إلا أنها تترسخ كلها في عقول شباب صغير وأذهان شيوخ كبيرة تأوي كل الأرواح والشخصيات النبيلة.

لقد أصبحت أتيه وسط تلك الجبال والصحراء والغابة، وبدأت ترى لي عقبات وطرق متفرقة. إنها تأويلات وسوء تفاهم وهي موجودة أصلا في الحياة. على شكل اختبارات أوقفتني لسد الرمق لسبب منع “ايورAyour” من أجل وضع يدي لحرية إخواني في السجون..

كانت هي عدجو… غزت حياة المغامر وجعلته أمام محكمة الضمير العادلة. لم أكن أتوقع أنني سأقف أمامها ذات يوم. في الحقيقة انفصلت إلى نصفين يتجاذبان، قوة عدجو من جهة وقوة تمزيغت من جهة أخرى. ما أود البحث عنه في المسار هو كلام العقل والضمير والحرية والاعتراف بالحقيقة وروح الإنسانية وإنصاف كل أمازيغية… والانصياع لقوانين الطبيعة فقط من أجل أن نتحاور ونتحد ونتفاهم لبناء قاعدة ل… “عدجو حريتي وحرية امازيغن”.

* أستاذ وباحث في التاريخ

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.