سعيد المرابط يكتب.. صحافة السخافة

0

هنا في الصحراء، الصحافة أو قل هي “سخافة”، يمتهنا الخصي، الدجال، الغبي والقواد، وعطار يحترف سكب حمض الخرافات وزعتر الكذب، إلا من رحم ربي، وهم كثر، أنجبتهم هذه الفيافي، وفطمتهم مور السوافي وجلبتهم الكثبان، حتى ساروا معلما على رأسه نار..
وهناك آخرون، يجهلون حتى أن هذا العالم الزئبقي المسمى بالصحافة والإعلام يقوم على فعل رباعي هو “أعلم”، بمعنى أن تُعلمني بمعلومة جديدة، أو مستجد فيها، ودون ذلك لا يعدوا كونه، خراءٌ مكتوب..

ولأن هذا المجال أصبح مرتعا للمتزلفين، وشذاذ الآفاق وأشباه المتعلمين، والباحثين عن موطئ قدم، إن (قبليا مقيتا أو جغرافيا ذميما)، فقد تشابه البقر علينا..
وأشير إلى أنها، توجد نظرية تتحدث عن تأثير وسائل الإعلام بطريقة غير مباشرة، وقد سميت بأسماء متعددة، من قبيل (الطلقة السحرية، والحقنة تحت الجلد)، هذه الخاصية السحرية، في عالم التواصل تقوم على “تحكم المرسل بشكل كلي ودقيق في العملية الاتصالية”، بحيث “‫يضع الرسالة ويقوم بتصميمها وبناءها، كما يختار الوسيلة أو القناة الأكثر تأثيرا وانتشارا، مع التركيز على التوقيت والظرف المناسب”..‬
‫وفي الكلية درسنا في اللسانيات أن للبلاغة اللغوية سلطة قوية في التأثير على المتلقي، وكان من أشهر أعلامها في العصر الحديث “نيتشه”، وهناك من يقول أن الشاعر “المتنبي”، كان من سلاطينها في الشعر العربي..
ولسلطة البلاغة في الخطاب قدرة خارقة في ‬توجيه الوعي العام أو تزييفه وقدرة عجيبة للتلاعب بعقول المتلقي..
هذه معلومة يمكن البحث والاستفادة منها، إن كانت لدى حملة شواهد “السمك، ونعال (سيمار) وصناديق الشاي، وشراء الشهادات الجاهزة؛ رغبة للاستفادة”..
أما “صحافة السحت”، والكتبة الكذبة، الذين يكتبون بحدقات مؤخراتهم لا أقلامهم، الذين ليس فيهم رجلاً بانثنين يجاهر بكلمة حق لا يريد بها باطل؛ فالمقام يفرض أن أعيد كلامي القديم، ليكون خرقة بالية، خرقة مبتلة بما في مثانتي من بول، أملأ به أفواههم الكريهة، فإعلامهم؛ يشبه وجه عجوز بغية ملطخ بالخضاب والمخاط، ومن يحاول ممارسته بمهنية ومن القلب، متملصاً بقلمه من يد القبيلة، والولاءات الضيقة، سيُرمى في البحر متلاطم اللجج، أو سيعيش كالهارب من الرمضاء، أو يترنح بقلمه الثمل من بقايا موائد آلهة نصبت نفسها قسراً، ما بين الابتزاز واللصوصية، وبين ممارسة التواصل بعيداً عن مفهوم الصحافة والإعلام، يتلمس قلمه الذاهل، ويتحسس جيوبه الشرهة، وهو يتقدم ببطء كمن يخشى أن يوقظ النهار ضميره المتغطرس الذي يتباطأ في المشي بحقارة آخر سكير يغادر الحانة..
هؤلاء صحافتهم هي صحافة تطويع المفردات، وتجميل الكلام، المتحرر من أي التزام أخلاقي..
صحافة يمارسها موظف يتلقى راتبًا مقابل عمله، ناسيًا أو متناسيًا أن الصحافة ليست وظيفة؛ بل سلطة تمارس صلاحياتها لخدمة المجتمع، بكل مهنية وأخلاقيات، فكيف يتوب هؤلاء عن بيع دولتهم، أقلامهم وضمائرهم، ويكونون صحفيين أحرارًا، فالصحفي إنسان عاشق لأفكاره، والعاشق لا يتوب، ولا يبحث عن مقابل لحبه، ولا يبتز من أجله..
فحين يتحول الصحفي، من رسول حقيقة، إلى قملٍ يمتص دماء الفقيرات، وشحاد يجوس المكاتب دمامةً؛ وجب أن نعترف، أن عيون “صاحبة الجلالة”، قد أصابها الرمد، كما أغرقت الرحضاء جسدها المحموم..

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.