سليمان محمود يكتب.. تنغير مدينة قرية

0

سليمان محمود (سليو) *

لا يبدأ إيقاع مدينة تنغير الاقتصادي إلا بعد التاسعة صباحا، ويتوقف في منتصف اليوم، ولا تُواصِل حركتها إلا بعد صلاة العصر، ثم تتوقف لفترات على طول المساء، لينتهي النشاط اليومي مع التاسعة ليلا في أوقات الذروة (الربيع والصيف)، أو السابعة والنصف مساء في فصلي الخريف والشتاء.

يحدث هذا في مدينة تنغير رغم أنها عاصمة إقليم شاب شاسع ذي إمكانيات ومؤهلات لا تُستثمَر.

إنها مدينة لا تواكب إيقاع المدينة، ولم تحافظ على إيقاع البادية الذي يتسم بالحيوية والنشاط؛ فالبوادي تستيقظ باكرا، وتعمل بجد وكدٍّ. لكن تنغير ضاعت بين الأمرين؛ فلا هي نابضةٌ بحياة المدينة، ولا هي ناعمةٌ بسُكون البوادي.

في هذه المدينة ما يزال المواطن تائهاً بين الأمرين المذكورين؛ فما هو بابن المدينة، ولا هو ابن البادية.

وسأضرب لكم مثلاً بحالات كثيرة تؤكد ما ذهبتُ إليه في هذا الرأي الذي يقبل الأخذ والردَّ كغيره مِن وجهات النظر، ولنبدأ بخدمات سيارات الأجرة؛ فالعديد من “موالين الطاكسي” ما يزالون يظنون أن “الطاكسي” مِلكُه، يفعل بها ما يشاء، يسير بالسرعة التي يريد، ويعمل في الأوقات التي تلائم مزاجه، متناسياً أنه يشتغل في قطاع النقل العمومي، وأنه يشتغل وفق ترخيص تمنحه إياه الدولة ليقضي مصالح الناس، لا ليُشبِع رغباته، ويُحجِم عما لا يُمتِعُه.

وقد جالست الكثير من المواطنين الذين يحتجون على سلوكات الكثير من أولئك المشتغلين في ذاك القطاع؛ فمنهم من يركن السيارة التي ترسخ في اعتقاده أنها مِلكُه، ويجلس مع أصحابه في مقهى يحتسي كوبَ قهوة، أو كأس شاي، والناس ينتظرون في محطة الطاكسيات في زحام، لا يجدون من يُقلهم إلى وجهاتهم، لأن سائق الطاكسي لا يهتم بهم، فالسيارة سيارته، وسيشتغل متى يريد. وكم شاهدت هذا بأم عينيَّ، وكنت من ضحايا انتظار أمثال هؤلاء.

والحلاق يفتح محلَّه متى يشاء، ويغلقه متى يرغب في ذلك، وعلى الزبون أن يخضع لتوقيت الحلاق، لا لضرورته وحاجته. صاحب الحانوت يفعل ذلك أيضاً. بل حتى وكالات الأسفار، ونقل الأموال، ودفع الفواتير.

ولا وجود لمحطة بنزين في أي مدينة، في حدود علمي، تردُّ الزبائن بدعوى إغلاق “البومبا”، فما أن تصل الثانية عشرة ليلاً حتى تغلق كل المحطات، ولو حدث طارئ يستدعي سفراً عاجلاً، وسيارتك لا وقود فيها، لضاع غرضك، وضاعت حاجتك، لأن أصحاب محطات البنزين يخدعون الناس بيافطة 24/24 طيلة الأسبوع (7/7). وقد شاهدت هذا بعيني، ورأيت مواطنين محتاجين للوقود بعد منتصف الليل، فلم يجدوه. بل لن يجدوه بعد الظهر إلى ما بعد العصر، في فصل الصيف، بدعوى ارتفاع درجة الحرارة. ولا أعلم ما مدى قانونية هذا الفعل!

إن مدينة تنغير يكاد ينعدم لدى الغالبية فيها من يعتبر الزبون مَلِكاً، فجلهم يرونَه مجرد شخص يقضون له حاجةً إن شاؤوا، ويصرفُونه إن أرادوا. ثم نأتي -بعد ذلك- ونشتكي الفقر، وضعف الخدمات، في كل قطاع، وتعرقل عجلة التنمية.

قد يقول قائل: “لقد تحدثت عن مجالات تندرج ضمن القطاع الخاص، ومن حق الخواص أن يفعلوا ما تمليه مصلحتهم، وراحتهم الخاصة”.

وسأجيب: “ولذلك، قلت إن تنغير مدينة قروية، لم ترْقَ بعد لأنْ تكون مدينة بمفهومها الحديث. ونظرة هؤلاء المعترضين تُغفِل أن هذه السلوكات غير المدنية تنعكس على المواطنين عندما يشتغلون في قطاعات عمومية، فتجد بعض الموظفين ينسلُّون من مكاتبهم في أوقات عملهم، فمنهم من يبرر انسلاله بأداء صلاة الظهر، أو صلاة العصر، وهو شأن فردي لا ينبغي أن يكون مبررَ عدم أداء الواجب الذي تدفع لك الدولة من المال العام مقابل أدائه. ومنهم من ينسل قبل انتهاء وقت العمل لتناول وجبة الغذاء، وما هو بمبرر مهنياً وأخلاقياً.

إن تنمية تنغير لا يتحمل مسؤوليتها المسؤولون على تسييرها فقط، وإنما نتحمل قسطاً منها أيضاً، باعتبارنا مواطنين، فلا غرابة أن يتولى شؤوننا من ننتقدهم؛ فكما يكون المواطنُ، يكون المسؤول عنه، فهذا من ذاك. فاللهم ارفع بلاءاتنا.

(*) كاتب وفاعل جمعوي

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.