سيدي الوزير: التعليم عن بعد أم البعد عن الواقع!

0

بقلم ميلود السوالمة

سيدي الوزير،إذا كان شعار الدخول المدرسي اليوم يحمل في طياته العديد من الرسائل التي ما أحوج المدرسة المغربية إليها اليوم “من أجل مدرسة مواطنة عادلة ودامجة” إلا أن الواقع يثبت عكس ذلك، لا عدالة في الواقع ولا وجود لتكافئ الفرص بين المؤسسات. سيدي الوزير،الواقع اليوم وحسب العديد من الأساتذة الذين زاروا مؤسسات التعليم مريرة جدا حيث البنيات التحتية يندى لها الجبين والقاعات مهترئة،ولا وجود للأبواب الأقسام والنوافذ فكيف سيحضر المعقم الذي لم يدخر الوزير جهدا للتغني به في وسائل الاعلام عند كل زيارةرسمية،فالتعليم عن بعد يحتاج إلى وسائل بشرية مؤهلة وتقنيات عالية سواء بالنسبة للمعلم أو المتعلم، والواقع اليوم أن الأول يكاد يفتقر إليها ولا يفقه شيء فيها،بينما الثاني وإن توفرت لديه فسيستغلها حتما في أشياء لا تمت للتعليم عن بعد بصلة، باستثناء فئة قليلة.


سيدي الوزير، المؤسسات التي زرتها من قبل واستقبلتك بحفاوة قل نظيرها مع وجود كمامات بكميات كبيرة ومعقمات لا تعد ولا تحصى مجرد در الرماد في العيون وفرقعة إعلامية ليس إلا،ودليلنا على ذلك هو أن المؤسسات اليوم التي زرتَها من قبل خاوية على عروشها لا كمامة تلوح في الأفق ولا معقم على الأبوابولا بدلة زرقاء كما عهدناها عند زيارتك لكل مؤسسة على حدة، بل نجد كتلة بشريةحاملة لأوراق تسجيل التعليم الحضوري وهذا الاجراء زاد في الطين بلة، وأضاف أعباء جديدة على الأطر التربوية، سيدي الوزير، كما لا يمكن تغطية الشمس بالغربال وإنكار أمور باتت مُسلما بها أكثر من رؤيةالشمس في وضح النهار فكذلك فيروس كورونا لا يمكن التغلب عليه ببروتوكولات جوفاء وصحافة صفراء لا طائل من ورائها، الهدف منها طمأنة الأسر المغربية التي تنبهر بداية بالوسائل المسخرة عند أبواب المؤسسات على شاشة التلفاز، لكنها سرعان ما تصطدم بالواقع عندأول زيارة لها حيث سيدرس أبنائها، للتذكير فقطسيدي الوزيرأن أكثر من %90 من الأسر المغربية اختارت التعليم الحضوري لما فيه من منافع لا يمكن جنيها من التعليم (البعدذاتي)الذي يبقى مجرد حبرا على ورق ليس إلا، لأن أكثر من %70من المؤسسات تفتقر إلى الربط بالماء والكهرباء فكيف سنوصلها بصبيب الانترنيت الذي يعد بحق العمود الفقري للإنجاح التعليم عن بعد.وحتى إن توفرت سيدي الوزير فالعديد من الأسر المغربية لا يكمن لها أن تفي بمتطلبات ما يحتاج هذا النوع من التعليم من هاتف ذكي أو حاسوب في المستوى.


سيدي الوزير، كما لا يخفى عليك أن العديد من المؤسسات لا تتوفر على طريق أو مسالك توصلك إلى أبوابها المترعة طيلة السنة لأن السور الذي يحميها لا وجود له في الأصل، فكيف لنا والحالة هذه أن نوفر صبيبا من الأنترنيت الذي يبعد عن المدرسة بمئات الكلومترات. بل لا يوجد في أقرب مركز قريب منها والنماذج هنا لا تعد ولا تحصى.


سيدي الوزير، لتقريب الصورة أكثر فأكثر لنأخذ تجربة بسيطة في كرة القدم وسنتحدث هنا عن البطولة الاحترافية المغربية المكونة من ستة عشر فريقا فقط،فرغم الإمكانات التي رصدتها الجامعة الملكية لمواجهة كورونا من مسحة طبية أولية وعزلة طوعية إلا أن كل هذه الإجراءات لم تأتأكلها وعانت العديد من الفرق بسبب هذا الوباء مثل اتحاد طنجة والوداد الرياضي، والعبرة هنا سيدي الوزير فرغم كل الإجراءات المتخذة إلا أن الفيروس وجد طريقه إلى أغلب الفرق الوطنية الذي لا يتجاوز عدد أفرادها الأربعمائة فرد، فكيف لنا التحكم فيه عند فئة يتجاوز عددها تسعة ملايين و898 ألف تلميذ لم تقم بالمسحة الطبية مع استحضار طبيعة المؤسسات وعلاقتها بالأسرة وعقلية التلاميذ التي تميل الاختلاط والعمل الجماعي وما يرافق ذلك من أعمال قد تزيد من لهيب نار كورونا التي لا يمكن حصرها لا قدر الله.


سيدي الوزير، لا يمكن أن نقارن أنفسنا بكوريا الجنوبية التي فرملت الدراسة عن قرب بسبب تفشي الوباء،أوجارتنا فرنسا التي أقفلت أكثر من 20 مؤسسة مع فجر الموسم الدراسي، وبما أن وجه المقارنة لا يجوز فكيف للمغاربة خوض مغامرة التعليم عن قرب في وقت لا زلنا بعيدين كل البعد عن الدول التي ذكرنا سالفا لا على مستوى الإمكانات البشرية أو التقنيةو يقال الغباء هو فعل نفس الشيء مرتين بنفس الأسلوب ونفس الخطوات مع انتظار نتائج مختلفة وهذا هو المسار الذي يبدوا أن وزارة التربية الوطنية تسير فيه لأنها أقرت بفشل أو عدم جدوائية التعليم عن بعد في تجربته الأولى، وبالتالي عدم الانصاف لفئات عريضة من التلاميذ، كما أكد على ذلك السيد الوزير في أكثر من مناسبة والدليل على ذلك هو عدم احتساب الدروس التي تم بثها عن بعد ضمن امتحانات الباكالوريا للسنة الماضية،لذا سيدي الوزيرالواقع لا يرتفع وبالتالي وجب التفكير جديا في وسيلة تتلائم والوضع المغربي الذي يختلف كليا عن باقي البلدان التي نجتر إصلاحاتها دون تفكير أو تمحيص مسبقين.

أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي

باحث في التاريخ المعاصر

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.