شكري يكتب .. التحليل النفسي للعلاقة بين الزوجين في زمن فيروس كورونا

0

” إن من الحب ما قتل ” – مقاربة سيكولوجية

د.عبد الجبار شكري *

إن أي علاقة زوجية تنبني اساسا على مقايس اختيار الشريك سواء كانت هذه المقايس حاضرة كوعي معقلن يحضر فيه منطق الحب والمنفعة عند الشخص القادم على الزواج . او كانت هذه المقاييس غير واع بها ومع ذلك يحضر في منطق اللاشعور الحب والمنفعة عند الشخص القادم على الزواج .
انه في اي علاقة زوجية يكون هناك حضور للحب والعشق، لكن اذا لم يكن هناك حضور لهذا الحب والعشق الشبقيين ، سيكون هناك حضور للاعجاب والمودة والرحمة متابدلين بين الزوجين .
لكن في زمن كورونا في اطار الحجر الصحي، نتيجة لمكوث الزوجين يوميا داخل فضاء الاسرة مكانيا وزمانيا يؤدي ذلك الى احتكاك انطولوجي متقارب وموتر والى احتكاك سيكولوجي منتقد . لم يكن هذا الاحتكاك الانطولوجي والسيكولوجي حاضرامنذ زواجهما.
اولا – يتمتل هذا الاحتكاك الانطولوجي المجاور للزوجين في كون ان كلايهما موجودان يوميا الى بعضهما البعض . فينكشفان لبعضهما على مستوى السلوكات وردود الافعال والمواقف والمشاعر . في ظل هذا التجاور الانطولوجي المكشوف والصادم لا يستطيع اي احد منهما ان يخفي كل سلوكاته وردود افعاله ومشاعره عن بعضهما البعض من هنا يبدأ التقزز والاشمئزاز من الاخر اتجاه عيوب كل واحد منهما والتي كان يخفيها غياب الزوجين عن بعضهما البعض اثناء غيابهما عن البيت والتي اكتسبها الزوجان معا في مع مرور الوقت في ظل هذا الغياب، اما غياب الزوج عن البيت في العمل أو احيانا غياب الزوجة عن البيت في العمل . ان هذا التجوار الانطولوجي المزمن يكشف عن سلوكات وردود افعال جديدة لم يكن يعرفها احد الزوجين عن الاخر . وفي عمق هذه اللحظة تبدأ مراجعة العلاقة الزوجية ويبدأ التقيم السلبي لها . فينشا التوتر والخصام والمشاجرة بينهما في اتجاه تغيير هذه السلوكات والمواقف وردود الافعال الغير المحمودة عند بعضهما البعض .
ثانيا – يتمثل الاحتكاك السيكولوجي المزمن بين الزوجين في فضاء الاسرة في زمن كورونا في الحساسية المفرطة اتجاه بعضهما البعض من جراء الانتقادات المستمرة لبعضهما البعض ومحاولة اقصاء الاخر و اخذ زمام المبادرة والقيادة والتحكم في شؤون الاسرة. و من خلال هذا الاحتكاك السيكولوجي ايضا تبرز حساسية الجندرة القائمة اصلا بين الرجل والمراة . ففي اللحظات الاولى من ايام الحجر الصحي في زمن كورونا يجد الزوج نفسه لادور له مهمشا من شؤون البيت بحكم ان الزوجة هي التي كانت القائمة عليه قبل زمن كورونا عندما كان الزوج يوجد خارج البيت في العمل او المقهى . ومن هنا يبدا الزوج يتدخل في شؤون البيت كالأكل والطهي وشكل تاتيت البيت وتحس الزوجة ان زوجها كذكر يريد ان يسيطر عليها كانثى ويتحكم فيها فتبدأ الصراعات والشجار قد يصل احيانا الى حد التجريح والاهانات . وعندما يهدءان ينغلق كل واحد منهما على نفسه وتتأجج مشاعر الحقد والرغبة في الانتقام والطلاق . فاذا سمعهما الجيران او عرف الاقارب والاصدقاء بمسالة الشجار والرغبة في الطلاق. يقولون ( ان من الحب ما قتل ).
لكن اذا قمنا بتحليل نفسي لسيرورة الحب في تجارب الانسان ، اقول أن الحب قد لا ينهي العلاقة وقد لا يقتل، وانما لا يكتمل كاي تجربة انسانية في الوجود . وعدم الاكتمال في الحب يؤدي إلى التوافق على التنازلات بين الحبيبين من اجل ضمان سيرورة العلاقة في لذة نفسية/جسدية شبقية . لكن اذا تمادت هاته التنازلات من طرف واحد يجد نفسه انه فقد كينونته الانسانية التي هي التفكير والوعي والحرية والارادة. وفي موازاة ذلك يجد الطرف نفسه كذلك قد فقد كبراءه وكرامته وهويته الجنسانية واصبحت خاضعة وتابعة لارادة الطرف الاخر . من هنا يبدا الحب، يتحول الى نقيض ذاته وهي الضغينة والكراهية والانتقام ، قد تنتهي بانهاء العلاقة والطلاق او احيانا قد تنتهي بالقتل والى ارتكاب جراءم بشعة وهذا ما يطلق عليه ” ان من الحب ماقتل” .
ان الحب قبل ان يطلق عليه اي نعت من النعوت . هو قبل كل شيء ظاهرة إنسانية لها وجود فعلي على مستوى الوجدان ، بحيث يشكل حقيقة سيكولوجية ، كما يرى علماء النفس، أنها ناتجة عن تفاعل عشقي- جنساني، أي ناتجة، عن عشق الحبيب لمجموعة من الخصائص الموجودة فقط في الحبيب وليست في شخص اخر ، اما ان تكون خصائص جسدية جنسية أو مزاجية أوسلوكية ، بمعنى آخر لا يتولد الحب إلا عندما تكون عند الحبيب قيمة يضفيها على الحبيب.
أما مدرسة التحليل النفسي مع “تيودور رايك”، يرى أن الغرام يولد بعدم الرضا عن الذات لاشعوريا، والذي يولد استعدادات انفعالية في اللاشعور، تسبق مرحلة الحب العشقي كالقلق والفزع والاستياء. إن الحب في نظر “رايك” هو نتيجة الفرار من الذات، يصل في بعض الأحيان إلى كره الذات، ويتعب ويشقى من الاستمرار في البقاء مع ذاته، أي الاستمرار في أن يكون هو وأن يبقى هو أناه الذي يشكله.
ومن هنا اقول إن الأنا المثال المجسد في أنا المحبوب يجعل الشخص يشعر بالسعادة، والاعتزاز بالنفس، في كونه، أصبح يملك ما لم يكن يملكه في السابق. ونتيجة خوفه من فقدان هذه الانفعالات الإيجابية يتعلق الشخص بمحبوبه ويحبه كضمان للاستمرار فيما هو عليه.
لكن في لحظات التوتر والخصام بين الشخص ومحبوبه، يعي الشخص بفارق القيمة بينه وبين محبوبه، فيعي أنه في الواقع لا يستطيع أن يعيش بدون هذه القيمة التي تضفي عليه قيمة منفعية سيكولوجية مزدوجة في علاقته بذاته ، وفي علاقته بالآخر، ومن ثم تستمر وضعية الحب ومعاناة العشق والغرام التي هي في الوقت نفسه معاناة فقدان الأنا النموذج /المثال المجسد في الحبيب.
التي تتحول مع سيرورة التفاعل بين الحبيبن في التوتر والغضب والاهانات والاهمال والتخلي الى مشاعر الكراهية او الى مشاعر الانتقام التي قد تؤدي الى ارتكاب جريمة قتل . والقتل هنا هو ما يطلق عليه الناس ” ان من الحب ما قتل “
لكن انطلاقا من تحليلي الظاهري لسيكولوجية الحب فان هذه القولة تعني أن الشخص، يقدم على قتل محبوبه بسبب شدة الحب له، إذا تبين له أنه هناك خيانة، أو محاولة للانفصال عنه، أو إذا أصابه بأذى آخر، لأنه يرى في قتل المحبوب نهاية لهذا الحب، وبذلك يتم وضع حد للمعاناة والشقاء الناتجين عن هذا الحب.
إذا استخدمنا التحليل النفسي، سنجد أن القولة “إن من الحب ما قتل” في ظاهرها، لا تنطبق على الحب بمعناه المجسد في آلياته اللاشعورية الاستيهامية والواقعية ،
ما أود أن أشير إليه في البداية هو قولة “إن من الحب ما قتل” شائعة في المجتمعات الإنسانية ، وكأنها حقيقة مطلقة، صادقة في كل زمان ومكان، وكأنها صادقة بواقعيتها، وبحتميتها المصيرية.
إلا أننا إذا استخدمنا التحليل النفسي، نجد ان هذه القولة لا تعبر عن الحقيقة في شيء، إنما هي مجرد معتقد وهمي، يخفي وراءه حقيقة أخرى مخالفة تماما لحقيقة مضمون القولة، وهذا ما ينطبق عليه، ما يقوله الفيلسوف الالماني “فريد يريك نيتشه “في هذا الإطار “إن الناس يصنعون الوهم، ثم يحولونه إلى حقيقة، ويعتقدون فيها بشكل مطلق، وينسون أنها كانت وهما في السابق”يعني ذلك أنه إذا قمت بالتحليل النفسي للشخص الذي قتل محبوبه، فإن عملية القتل ذاتها ليست ناتجة عن الحب، بل هي ناتجة عن الضغينة والانتقام، ذلك أن الحب كعدوانية سادية تدميرية، لايستمر في حالة وقوع القتل. لهذا أقول إنه ليس هناك من (الحب ما قتل) وإنما هناك من الكراهية والانتقام ما قتل، ذلك اننا نجد ان انفجار المشاعر السلبية هذه، هي التي تؤدي إلى ظهور الرغبة في الانتقام من الحبيب، فتتخلص هذه الرغبة من سلبية الكمون والانتظار . لكنه نتيجة انحدار كبرياء الأنا وانجرا حيته المفرطة، تتحول الرغبة إلى فعل، فيقدم الشخص على قتل من لم يشكل موضوع حبه وقيمته، ويسقط كل أشكال العدوانية السادية، لينتزع أناه من سكرة الموت السيكولوجة ويحقق لأناه لذة النجاة من الموت السيكولوجي، ولهذا يقول الناس ” إن من الحب ما قتل “في حين أقول من خلال التحليل النفسي “إن من الحقد والانتقام ما قتل”.

* عالم النفس وعالم الاجتماع

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.