لعساس يكتب.. مقامات و أضرحة يطالها التهميش في زمن العولمة

0

أحمد لعساس *

من مخلفات العولمة تدمير كل ما هو محلي من أجل انتعاش تجارة الشركات العابرة للقارات. الغزو الثقافي يسبق دوما الغزو الاقتصادي، سابقا يعج كل بيت بالدجاج البلدي، اليوم يشتري الجميع البيض الرومي و حليب الغبرة المعبأ في أكياس بلاستيكية.

سابقا كان الناس يبنون بيوتهم بالطين و القصب و الخشب المحلي، و اليوم يستوردون كل مواد البناء. سابقا كان الناس يتبركون بأقرب ولي صالح عندما تسوء أحوالهم النفسية فيحققون السلام الداخلي و الطمأنينة، و اليوم يشدون الرحال على الطائرات و يعبرون القارات من أجل سلام مفقود. مقامات الأولياء الصالحين كانت تقوم مقام الحج لمن لم يستطع إليه سبيلا. حارب السلفيون هذه الأشكال البسيطة في التدين فانتشر القلق و الاكتئاب و الانتحار.

اتخذ القدماء من الأشجار و الجبال و الغابات و الحيوانات أولياء (إكرامن)، احترموا التنوع البيولوجي و البيئة حد القداسة، كانوا يكرمون الأضحية بعدة طقوس خاصة، فيكحلون عيونها بالكحل و يضعون المسواك في فمها، يتلون أهازيج حزينة عزاء لها. لا يقتلون الحيوان إلا عند الضرورة. انتعشت الحياة البرية و عاش الإنسان بسلام و تناغم معها.

ظهر الطاعون السلفي، فهاجم الأشجار القديسة التي يهابها الجميع، سقطت هيبة الجن و الأرواح الساكنة بها.

سخر السلفيون من معتقدات الأجداد بعدما لم يتعرضوا لعقاب الجن و الأرواح. هجم الناس على الأشجار و النباتات فاقتلعوها من جذورها، قتلوا كل طائر يطير و كل زاحف يزحف و كل حيوان يمشي أو يسبح، لم يعودوا يقتلون من أجل الأكل، بل صار القتل هوسا بعدما أصيبوا بمرض الطاعون السلفي، قتلوا الوزغ والأفاعي والعقارب والذئاب والثعالب والخنازير…، أصبح الإنسان عدوا لكل الكائنات ولنفسه أيضا بعدما عاش مسالما متعايشا مع الكل.

أصبحت الأرض جرداء، فحلت علينا لعنة الجن والأرواح الساكنة، لم تعد السماء تمطر كما السابق، ازدادت وثيرة التصحر، أكد العلم أن هناك علاقة جد وطيدة بين معدل التساقطات و كثافة الغطاء النباتي، حلت الكآبة (مكرضول) محل الفرح.
هاجر السكان قراهم و بواديهم نحو المدن أو إلى الدول الأوروبية بحثا عن ملاذ آمن.

أجدادنا لم يكونوا جهلة أو بدائيين، بل كانوا حكماء يعرفون قيمة الأشياء من حولنا، عرفوا أننا جميعا كائنات مترابطة جدا، إذا انقرض أصغر الحشرات، تنقرض بعده كل الكائنات الأخرى. “التسليم” أيتها الأرواح القديسة، سلام عليك و على كل القديسين و الأولياء من بشر و حجر و شجر، سلام عليكم يا من عمرتم أرضنا بالخير و البركة، ليعود وجودكم إلى جبالنا و أوديتنا و سواقينا و ليالينا، لتنثروا على أرواحنا مزيدا من الإيمان و المحبة و السلام.

أضرحة نالها التهميش في زمن العولمة و تسليع القيم، ضريح خويا ابراهيم تحت جبل بوكافر مهدد بالسقوط، لم تشفع له رمزيته التاريخية أمام مؤسسات الدولة و المندوبية السامية لقدماء المقامين و أعضاء جيش التحرير، على مقربة منه تم توقيع الهدنة بين ممثلي مجاهدي أيت عطا و القوات الفرنسية. ضريح سيدي بويحيى بالخميس دادس، معلمة تاريخية و دينية و روحية نالها الإهمال و استكمل صائدو الكنوز نبشه و تخريبه. مقام الولي الصالح سيدي امحند افروتنت كذلك ناله بعض الإهمال لكنه مازال أفضل حالا من باقي المقامات بسبب تشبث “إباغاضن” بوليهم و استمرارهم في تنظيم الموسم السنوي الذي يقام في شهر شتنبر من كل سنة.

متى نتصالح مع ذواتنا؟ متى نحسن قراءة الإشارات في رسائل و حكم الأسلاف؟ متى نكتشف الكنوز التي لا تنضب في رأسمالنا اللامادي؟ مقامات و أضرحة الأولياء الصاحين معالم تاريخية لا تختلف عن أسوار المدن العتيقة في شيء، كلها دافعت عن استقلال الوطن، حمته من الأطماع الأجنبية، واجهت و مازالت تواجه الغزو الثقافي، مازلت تذكرنا في كل وقت وحين بتاريخنا الجمعي، مازالت تروي جذورنا و تمدنا بالقوة كي نتشبث بهويتنا و لا نسقط في أحضان الشرق أو الغرب.

* كاتب وفاعل تربوي – تنغير

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.