منصوري يكتب.. تأثير حالة الطوارئ الصحية على النظام العام التعاقدي

0

– قراءة أولية في الأثر التشريعي للمرسوم 292.20.2 المتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها-

ياسين منصوري *

ألزمت جائحة كورونا فرض حالة الطوارئ الصحية على الأفراد بمقتضى المرسوم 2.20.292 الصادر في 23 مارس 2020 الذي حدد النطاق الترابي لتطبيقه و مدة سريانه والإجراءات المتخذة لتفعيله، حيث سن مجموعة من التدابير ذات طابع تنظيمي و إداري تحد من حريات الأفراد و حقوقهم، هذه الإجراءات التنظيمية ترتب عنها استحالة تنفيذ بعض العقود نتيجة ظرف طارئ خارج عن إرادة المتعاقدين، وهو ما مس بالنظام العام التعاقدي الذي يقوم على احترام مجموعة من المبادئ الراسخة في قانون العقود، مما جعل من هذه المبادئ الموجهة للعقد والضامنة لشرعيته و المحددة لآثاره تفقد بعض قوتها الملزمة لفائدة أحكام القوة القاهرة و الظروف الطارئة.
ولعل التحولات التي خضع لها العقد منذ مدونة نابليون لسنة 1804 كانت ولازالت مرتبطة بالاقتصاد باعتباره الموجه للقاعدة القانونية، فيتدخل المشرع باسم النظام العام الاقتصادي للتضييق على الحرية التعاقدية، بمقتضى قواعد حمائية أو موجهة للعقد تحقيقا للتوازن العقدي، ولعل تفشي وباء فيروس كورونا و إقرار حالة الطوارئ الصحية يعتبر واقعة قانونية توجب ان يخضع العقد لتدخل تشريعي من نوع آخر يستجيب من جهة لمبادئ العدالة التعاقدية في ظل الظرفية الاستثنائية. ومن جهة أخرى توجيه النظام الاقتصادي القائم على المنفعة الاجتماعية وعلى ضرورة استمرارية الدورة الاقتصادية.
فهل ترسانتنا القانونية كافية للتوفيق بين هذين المقاربتين لمعالجة الآثار الناجمة عن تعطيل تنفيذ العقود أم أننا أمام أزمة تشريع؟ وهل تفعيل الأحكام العامة للقوة القاهرة و الظروف الطارئة كفيلة كحلول قانونية لتحقيق الأمن التعاقدي في هذا الظرف الاستثنائي؟ وأي دور للاجتهاد القضائي في تطوير القاعدة القانونية لملائمتها مع الظرف الطارئ تحقيقا لمبادئ العدل والإنصاف؟

أولا: سن أحكام خاصة بتنفيذ العقود بين الشرعية القانونية والتضخم التشريعي.

من الآثار الظاهرة أن مرسوم إقرار حالة الطوارئ الصحية غل يد النشاط الاقتصادي و تعطل بسببه تنفيذ العقود و الالتزامات المبرمة قبل تفشي الوباء والتي اختل فيها التوازن في الأداءات كالأكرية و عقود الشغل و العقود البنكية و غيرها، دون أن يستتبع المشرع ذلك بأي مواكبة تشريعية أو تنظيمية تحدد مصير هذه الالتزامات التي هي في طور التنفيذ.
فواضع القانون عند سنه لتشريع معين، لابد وان يدرس اثر هذا التشريع على التزامات الأفراد، خاصة وأن مرسوم حالة الطوارئ الصحية له وظيفة منعية تمنع الأفراد من تنفيذ التزاماتها التعاقدية، والتي ستكون – لا شك – محل خصومات قضائية بعد رفع حالة الطوارئ الصحية، عندئذ سيحاول الاجتهاد القضائي تكييف الوقائع المعروضة أمامه بناء على الأحكام الواردة في النصوص العامة لتطبيقها على ظرف خاص لم يرد به نص يحدد الحلول القانونية لتجاوز أثاره، وهو ما قد يعتبر معه من جهة تجديدا لدور القضاء في خلق القاعدة القانونية – بدل دوره الأصيل في حل النزاع القانوني – و من جهة أخرى، سيتدخل القاضي في عقد الكراء أو عقد الشغل أو عقد توريد أو عقد صفقة عمومية لإعادة المساواة بين الأطراف نتيجة اختلال ميزان الأداءات فيما بين الأطراف في العقود التبادلية.
ومن منطلق أن أي تشريع كيفما كانت طبيعته عادة ما يترتب عليه العديد من الآثار التي قد يصعب التنبؤ بها، فان اثر التشريع الذي نحن بصدده ظاهرة لا محالة على كافة مناحي الحياة الاجتماعية و الاقتصادية.
فالوظيفة التشريعية للمشرع تجعل منه ملزما – إلى حد ما – بمواكبة تشريعية و تنظيمية يحدد فيها مآلات العقود والاتفاقات والالتزامات المبرمة بين الأفراد قبل فرض حالة الطوارئ الصحية تحقيقا لمبدأ الشرعية القانونية.
فوضع تشريع خاص بسن أحكام حول تنفيذ العقود المبرمة قبل إقرار حالة الطوارئ الصحية لا يعتبر تضخما تشريعيا بقدر ما يعتبر آلية لتتبع الأثر التشريعي الذي نتج عن حالة الطوارئ الصحية، فلا مراء إن صدور نصوص زجرية بعد إقرار حالة الطوارئ الصحية ما هي في حقيقة الأمر إلا ضرورة تشريعية استدعتها تنفيذ السياسة العامة للدولة في هذا الظرف الاستثنائي، وعلى غرار هذا التدخل الزجري لا ضير أن يتدخل المشرع لتحديد مصير العقود المبرمة بين الأطراف و تحديد أثارها، و هذا التدخل يعتبر واجبا لتحقيق العدالة التعاقدية أمام قصور التشريع و عجزه عن تغطية كافة النزاعات المحتملة وأيضا أمام عدم كفاية القواعد التقليدية كأحكام القوة القاهرة و نظرية الظروف الطارئة لمعالجة الإشكاليات القانونية المترتبة عن تعطيل تنفيذ العقود التبادلية.

ثانيا: نسبية الاحكام الممكن تطبيقها كحلول قانونية لتجاوز ازمة التشريع – القوة القاهرة و الظروف الطارئة نموذجا – .

من الظاهر بان الوظيفة التبادلية للعقد أضحت معطلة بأمر من السلطة العامة التي أمرت بتوقيف مجموعة من الأنشطة الاقتصادية التي تعتبر عصب الحياة، و تبعا لذلك تعطل تنفيذ العقود موضوع هذه الأنشطة الاقتصادية، وهو ما يعتبر قوة قاهرة حالت دون تنفيذ الالتزامات المتبادلة .
فالقوة القاهرة طبقا للفصل 269 من ظهير الالتزامات و العقود تتحقق عندما يكون تابثا أن الواقعة القانونية غير متوقعة كشرط أول، و كشرط ثان أن تكون هذه الواقعة خارجة عن إرادة أطراف العلاقة التعاقدية، وكشرط ثالث صعوبة تجنب الآثار المترتبة عن هذه الواقعة.
فهل يعتبر تحقق هذه الشروط كاف للإعفاء من أداء احد الالتزامات المتقابلة بين المتعاقدين، أم ينبغي الوقوف أيضا على شرط الضرر التابث و الحال و المباشر وهو أمر يلقى عبئ إثباته على من يدعيه ؟
أعتقد أن الجواب عن هذا التساؤل، يقتضي التمييز بين الأنشطة الاقتصادية التي أمرت السلطة العامة بتوقيفها و التي تضررت فعلا، و بين الأنشطة الاقتصادية التي لم تتضرر أو كان ضررها جزئيا، فضلا عن البحث في ثبوت الضرر من عدمه، حينئذ يمكن الإعفاء من تنفيذ الالتزام نتيجة تحقق القوة القاهرة.
وكحل قانوني أخر، يمكن أن يرتكن إليه القضاء هو إعمال نظرية الظروف الطارئة التي التي ستؤدي إلى تعديل العقد بما يناسب الظرفية الاقتصادية تحقيقا للعدالة التعاقدية، فتعديل العقد نتيجة الظرف الطارئ غايته تمكين المدين من تنفيذ التزامه الملقى على عاتقه دون إرهاق، و لعل من أهم تطبيقاتها العملية منح مهلة الميسرة طبقا للفصل 128 من ظهير الالتزامات و العقود و التي يشترط لإعمالها أن يسمح القانون أو الاتفاق بها وهو الأمر الذي يستدعي تدخلا تشريعيا يمكن القاضي من إعمال مقتضيات هذا النص في ظل عجز المتعاقد الضعيف في انتزاع اتفاق لصالحه من المتعاقد القوي اقتصاديا و أدبيا.
بالتأمل في هذه المكنات القانونية و مدى إمكانية تطبيقها على العقود و الالتزامات خلال مرحلة فرض حالة الطوارئ الصحية تشريعيا، يتبين أنها تبقى أحكاما نسبية قد تحتاج إلى تطوير من داخل القاعدة القانونية نفسها و منحا نفسا جديدا بقواعد حديثة وهو أمر منوط إعماله إلى القضاء، وهنا تظهر أهمية الاجتهاد القضائي كلما برزت أزمة للقانون، فالقاعدة القانونية دائما ما تحتاج إلى تطوير لأنها تصدر في الماضي لتطبق على المستقبل و الاجتهاد القضائي الحاضر يطبق النص القديم بروح جديدة.

ثالثا: أي دور للاجتهاد القضائي في تطوير القاعدة القانونية في ظل مرسوم اعلان حالة الطوارئ الصحية.

يشبه الفقيه البلجيكي هنري دوباج التشريع بالملابس الجاهزة التي لها عدة مقاسات بينما يشبه الاجتهاد القضائي بالملابس التي تصمم بناء على طلب صاحبها وفق لمسات معينة، ولعل هذا التشبيه يتطابق مع الدور المستقبلي للقضاء في حل الخصومات المزمع عرضها عليه بعد رفع حالة الطوارئ الصحية في ظل غياب نص قانوني واضح الأحكام و محدد لاثار و مصير الالتزامات .
و لعل هذا الوضع الشاذ يدعو القضاء إلى الترجيح بين مصالح الأفراد في ظل غياب النص و في ظل ضعف نظرية عدل العقد آو كل ما هو تعاقدي فهو عادل، فالعقد يأخذ شرعيته من القانون تجسيدا لمبدأ العقد شريعة المتعاقدين – طبقا للفصل 230 من ظهير الالتزامات و العقود – هذا القانون الذي قدس العقد و اعترف له بقوته الملزمة بين المتعاقدين، لكن هذه القوة الملزمة لن تبقى ملزمة عند الحاجة إلى الإنصاف كغاية من الغايات التي يسعى إليها القانون.
و من آليات هذا الدور المنوط بالاجتهاد القضائي، وباعتبار هذا الأخير مصدرا تفسيريا للقانون، سيعمل من خلال آلية التفسير على تكملة النقص التشريعي لتقرير المصلحة المطلوب حمايتها، غايته في ذلك تأمين ملاحقة تطورات المجتمع من خلال تطبيق النصوص المتاحة بروح جديدة.
فعلى سبيل القياس، اجتهد فقه النوازل الذي عمل على خلق أحكام جديدة من خلال تحديث القواعد العامة وملائمتها مع الواقع، وكان لهذا الاجتهاد التنزيلي دور بالغ الأهمية في مسايرة و ملاحقة التطورات التي يشهدها المجتمع.

ختاما، لا نريد تدخلا تشريعيا يشكل انتكاسة و ردة عن المبادئ القانونية التي تعتبر حجر الأساس لحماية للطرف الضعيف في العقد وهو – للأسف – ما فعله مجلس النواب يوم 13 ماي 2020 لما صادق على مشروع القانون 30.20 بسن أحكام خاصة تتعلق بعقود الأسفار و المقامات السياحية وعقود النقل الجوي للمسافرين والذي جاء في مجمله ترجيحا لكفة الطرف القوي اقتصاديا على حساب مستهلك العقد السياحي وعقد النقل الجوي.
إذن يجب البحث عن محاولة توفيقية بين المعيار الأخلاقي و المذهب الاقتصادي سواء بمبادرة من المشرع أو بتفعيل القضاء لدوره في خلق القاعدة القانونية أو في تطويرها – على الأقل – بما يناسب المرحلة و الظرفية الحالية.

* محام بهيئة القنيطرة ودكتور في الحقوق

أترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.